تركيا والمشهد الإقليمي في الشرق الأوسط

بقلم: د. عبد الله تركماني

كثر الحديث عن تركيا وتحركاتها الديناميكية مما يثير بعض الأسئلة: في أي اتجاه تتحرك تركيا؟ وما الذي تريده؟ وما هي التوقعات للمستقبل القريب في ضوء ذلك؟

إنّ تركيا تطمح لأن تأخذ مكانتها كقوة إقليمية رئيسية، ومن أجل ذلك تتحرك كدولة براغماتية ديمقراطية تطوي صفحة الماضي وتسعى للمصالحة والانفتاح على الجميع، الأمر الذي يفسر تحركاتها تجاه دول متضاربة السياسات والأيديولوجيات بطيف يبدأ من الدول العربية كسورية والعراق ودول الإقليم الأخرى كإيران وحتى إسرائيل، وإلى دول آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز كما تجلى في المصالحة مع أرمينيا والمضي في الطريق نفسه مع اليونان.

لقد طرأت على البيئة الجيو - سياسية لتركيا تبدلات ملحوظة نتيجة الانقلاب المذهل في النظام الشامل للعلاقات الدولية، انطلاقاً من نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية، وصولاً إلى الاحتلال الأميركي للعراق. وتوحي الاستجابة لهذه التغيّرات العالمية والإقليمية، التي تزامنت داخل تركيا مع تحول في المناخ السياسي وإصلاحات هيكلية، بأنّ تركيا أخذت تختبر مرحلة انتقالية في علاقاتها الإقليمية والدولية. وقد تبدو المقاربة عسيرة أحياناً، بسبب الجمود الظاهر في نظرية السياسة الخارجية، عقب عقود من ممارسة التوازن السلبي الذي طبع الدور الإقليمي لتركيا، جاعلاً منها أداة الدفاع عن دولة موروثة من إمبراطورية منهارة.

إنّ السياسات التركية، منذ تسلم حزب "العدالة والتنمية" لمقاليد الحكم في العام 2002، لا يمكن اعتبارها خطوات أو توجهات عفوية مرتبطة بأمزجة شخصية للقيادة، بقدر ما هي خطوات عملية تنطلق من استراتيجية جديدة، عناوينها الرئيسية تتمثل في: ممارسة سياسة مستقلة، بعيداً عن الالتحاق الكامل بالغرب والولايات المتحدة الأميركية تحديداً، تجاه المستجدات السياسية الدولية، وانتهاج سياسة متوازنة في المنطقة هدفها تحقيق التقارب مع العالم العربي ومع دول الجوار بشكل خاص، والابتعاد ما أمكن عن التحالف مع إسرائيل في محاولة لإعادة الوجه التاريخي لتركيا، باعتبارها إحدى الدول الأساسية في المنطقة.

وهكذا، لا يستقيم الآن تحليل المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط بدون تركيا وحضورها فيه، لذلك يبدو التأمل في المشهد التركي الجديد ضرورياً لفهم مدركات تركيا لدورها والرؤى الجديدة التي ترسم سياستها الشرق أوسطية، وذلك كله سيشكل مدخلاً أساسياً للتعامل مع الواقع الجديد الذي تفرضه الآن في المنطقة.

منذ أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها لم تكن منطقة الشرق الأوسط متأججة فيها حمَّى الجغرافيا السياسية مثلما هي عليه الآن، فالمشهد السياسي لم يعد مقتصراً على قضية الصراع العربي – الإسرائيلي فقط، بل طفت على السطح مسائل أخرى ذات أهمية مثل "المسألة اللبنانية" و"المسألة العراقية" و"المسألة الإيرانية" و"المسألة السودانية" و"المسألة اليمنية". ولم يعد الأمر يقتصر على ذلك، فالكلام مشْرَعٌ على "مسألة سنّية" و"مسألة شيعية". بحيث تبدو المنطقة الممتدة ما بين الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وحتى الهند وباكستان وكأنها موضوعة على "صفيح ساخن" صفيح أزمات متواترة تهدد بانفجارات متلاحقة.

وعليه فإنّ الكثير من دول المنطقة شرعت في الانخراط بسلسلة من الاتفاقيات الثنائية المفتوحة أمام كل دول الجوار، من أجل صياغة نمط جديد من العلاقات السياسية، بعيداً عن المشاريع الهلامية التي تسعى الدول الكبرى إلى فرضها من أجل إحكام سيطرتها على هذه المنطقة الحيوية من العالم. وتبدو تركيا، في حركتها الواسعة على امتداد حدودها الجيو – سياسية والجيو - استراتيجية والاقتصادية والأمنية، في موقع من يؤسس لمستقبل تركي وازن في القرن الحادي والعشرين.

وفي الواقع تتوقف مكانة القوى الإقليمية في المنطقة على وعي مراكز الثقل الإقليمية بالتحولات الاستراتيجية التي بدأت بالتشكل منذ سقوط جدار برلين في العام 1989، وعلى سعيها لتعزيز مصالحها بالشراكات الإقليمية، والأهم من هذا وذاك التوظيف العقلاني المجدي لمواردها الاقتصادية والبشرية ولموقعها الجغرا - سياسي. وفي محاولتنا مقاربة تعاظم الدور الإقليمي لتركيا يجدر بنا أن نلاحظ: أولاً، أنّ السياسة الدولية لا تعرف حدوداً لحركة الدول، المهم فيها هو الإرادة والتصميم والهدف الواضح، والرؤية الثاقبة والتوظيف الأمثل لعوامل القوة المتاحة. وثانياً، أنه على درجة المسؤولية التي تظهرها النخب الحاكمة، وعلى القدرة التي تبديها في جعل مصالح شعوبها في اتساق وتطابق مع مصالح المجموعة الدولية عموماً والشعوب المحيطة بها بشكل خاص، تتوقف فرصتها في الحصول على موقع في هذه الشراكة. وبقدر ما يكون للدولة من مشاركة إيجابية في بناء إطار فعّال وناجع للتعاون الإقليمي، وبالتالي بقدر ما تساهم في تحسين فرص التنمية عند المجتمعات المحيطة بها وليس فقط داخل حدودها، تحظى بقدر أكبر من المصداقية، وتزداد فرص حصولها على الشرعية العالمية.

وعند التأمل بما تقوم به السياسات الإيرانية والإسرائيلية والتركية فإننا نكون أمام مشهد محبط حقاً، بالمقارنة مع العجز العربي الجماعي والمطبق. حيث تسهر هذه الدول الثلاث على رسم استراتيجيات إقليمية تعزز من حضورها وقدراتها القيادية ونفوذها، فيما تنام الدول العربية على وسائد الكسل والعجز والانتظار الذي لا يستطيع أحد فك لغزه.

ومن بين اللاعبين الإقليميين الثلاثة الرئيسيين في منطقة الشرق الأوسط تبرز تركيا بأنها الدولة الأكثر حيادية بين جميع الأطراف، والأكثر قرباً وسلماً مع العالم العربي. ففي الوقت الذي تمثل فيه إسرائيل طرفاً غير مرغوب فيه إقليمياً، وإيران طرف غير موثوق فيه، وفي ظل غياب طرف عربي يمكن أن يكون لاعباً إقليمياً فاعلاً في المنطقة، فإنّ تركيا تحاول أن تبرز نفسها كلاعب يمكن أن يكون مرغوباً وموثوقاً فيه أكثر من غيره في المنطقة.

وفي الواقع تعتبر تركيا من الدول التي تتمتع بوفرة الخيارات الاستراتيجية بسبب امتداد عمقها الاستراتيجي في العديد من الأقاليم المجاورة، الأمر الذي يفرض عليها أن تكون عضواً فاعلاً في العديد من النظم الإقليمية. وهي لم تدخر جهداً أو فرصة لوضع قدميها في المنطقة من خلال الأخذ بالمبادرات والعمل المنظم، الذي يبدو من الواضح أنه يتبع منهجية فكرية وبعداً استراتيجياً يهدف لإعادة وضع تركيا على خريطة المنطقة، لا كقوة إقليمية فقط وإنما كلاعب رئيسي يملك مفاتيح وخيوط اللعبة.

ويساعد تركيا في هذا الجانب موقعها الجغرافي، فهي على تماس مع الحدود الشمالية لكل من سورية والعراق، والشمالية الغربية لإيران، وهي على تماس أيضاً مع القوقاز الجنوبي، ومع روسيا عند حدود البحر الأسود.

ومن جهة أخرى تقدم أنموذجاً جيداً للعمل السياسي الحكيم الذي يتخذ من الإسلام وعاءً ثقافياً عظيماً، ويحاول أن يتعايش مع العصر، عبر الآليات الديمقراطية، وبناء هياكل سياسية تعمل على إيجاد حلول وسط للمشكلات التي تعاني منها تركيا. كما تعمل على تعديل جوهري في المشهدين الإقليمي والدولي، وفي تصفير خلافاتها مع دول جوارها الإقليمي مع تنمية علاقاتها البينية بشكل شمولي واستراتيجي.

وترتكز السياسة الخارجية التركية على الرؤية المؤسِّسة لدور تركيا في محيطها الإقليمي وهي فكرة "العمق الإستراتيجي" التي صاغها، في كتاب يحمل الاسم نفسه، مفكر تركيا الاستراتيجي أحمد داود أوغلو الذي أصبح وزيراً لخارجيتها. ويقول مقتضى الفكرة المؤسِّسة بأنّ الابتعاد النسبي عن المحاور، والمقترن باقتراب محسوب من قضايا الجوار وتنويع التحالفات الإقليمية والدولية، سيمكّن تركيا من استخدام أمثل لعمقها الاستراتيجي في التأثير على الفاعلين الإقليميين والدوليين. ويجادل مهندسو السياسة الخارجية لحزب " العدالة والتنمية " في أنه في حالة ازدهار الدول المجاورة لتركيا، فإنها ستصبح أكثر سلمية، ما سينعكس إيجاباً على الأمن القومي التركي ويوفر بيئة إقليمية أكثر ملاءمة للسلام. ففي عالم ما بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 ذهبت تركيا إلى أفغانستان، وأعطت بذلك دليلاً على عدم تنكرها لالتزاماتها كدولة عضو في حلف شمالي الأطلسي، وفي الوقت نفسه أظهرت، إبان الاستعدادات الأميركية لغزو العراق، أنها قادرة على الامتناع عن لعب أدوار لا تتوافق مع قراءتها لحساباتها الإقليمية ومصالحها.

ويمكن تفسير هذه المقاربات التركية بتغيّرات عالم ما بعد الحرب الباردة، أو بالتناقضات التي وجدت أغلب الدول الإقليمية نفسها فيها مع الإدارة الأميركية، بعد أن أتت بقواتها إلى قلب منطقة الشرق الأوسط، وأصبح لها نظرة أخرى للمنطقة ولأدوار دولها الإقليمية.

لقد أدركت تركيا إمكانياتها الإقليمية والظروف الموضوعية المحيطة بها وقدراتها المختزنة، والشرط الإقليمي والدولي الموائم لها كي تلعب دورها الإقليمي باقتدار، وتشكل قوة مهمة ذات تأثير يصعب تجاهله في وسط آسيا والعالمين العربي والإسلامي ومنطقة القوقاز المجاورة لها وبالتالي في السياسة الدولية. ولا شك أنه إذا استفادت السياسة التركية من هذه الظروف، إضافة إلى إمكانياتها وقدراتها، سيدرك الأوروبيون عند ذلك أهمية التودد إليها واحترام آرائها ومصالحها، وستجدهم يسعون لإدخالها في اتحادهم.

والآن تعمل تركيا جاهدة لاستعادة دورها ووزنها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط، ويبدو أنّ محاولاتها لاستعادة هذا الدور تأتي في ظل ظروف إقليمية ودولية مؤاتية جداً، لا سيما أنّ الولايات المتحدة الأميركية مرتاحة لهذا الدور وتنظر إليه بشكل إيجابي، حيث أنّ مشاركة تركيا في البحث عن مخارج للأزمات الإقليمية الراهنة يساهم في إيجاد توازن جديد للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة. ولا شك أنّ القيادة التركية استوعبت معنى الكلام الأميركي عن أنّ المهمات تحدد التحالفات لا العكس، وأنّ ذلك، في شروط ما بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، يزيد من حساسية الدور التركي.

أما بالنسبة للدور الإقليمي، فقد أدركت أنّ الدور الإقليمي يقوم - أساساً - على إدراك المصالح والسعي لتحقيقها، والتعاون والاعتماد المتبادل لإنجاز ما يمكن إنجازه بتكاليف وأوقات وجهود أقل، لا يمكن إنجازه بغير العمل الإقليمي المشترك. كما يقوم على حراك طبيعي واجتماعي ترعاه الحكومات بالتشريعات والتسهيلات الممكنة، ضمن شروط جغرافية وجغرا - سياسية وتاريخية واستراتيجية، وهو أمر لا يتحقق بالأماني السياسية والضغوط الآنية وردود الأفعال والهبّات العاطفية والإملاءات الخارجية، ولا بالقوة والقهر بطبيعة الحال.

لقد واجهت تركيا جملة من الصعوبات على صعيد تطوير سياسة إقليمية شاملة قادرة على تلبية مصالحها في المنطقة، وكان عليها لتحقيق أهدافها في الشرق الأوسط أن تعدل من خططها وسياساتها، وأن تشهد قدراً غير قليل من التكييف بما يجعلها متناغمة مع سياقها. خاصة أنّ إشكالياتها مع محيطها الإقليمي كانت متعددة: أولها، التورط العميق في شمال العراق، غير المرحب به من قبل سورية وإيران. وثانيها، العلاقة مع إسرائيل وما شكلته من تعقيد في علاقات تركيا مع الدول العربية. وثالثها، التوتر القائم مع سورية والعراق حول مياه نهري دجلة والفرات. ورابعها، الصعوبات التي واجهتها تركيا على صعيد تحقيق التوازن مع إيران. وخامسها، التوتر التركي - اليوناني، بسبب المسألة القبرصية.

والآن تتحرّك تركيا في الإقليم الشرق الأوسطي كما لو أنها قائد فعلي لدوله ولنظامه المتداعي، أو كمبادِرة لحل أزماته المتفاقمة على شتى الأصعدة، لا سيما ما خص مشكلات كبيرة ومزمنة كالتوسط والإشراف على المفاوضات السورية - الإسرائيلية والملف النووي الإيراني، فضلاً عن تدخلها المتواصل في العراق الذي تعتبره بمثابة مجالها الحيوي المباشر ومن ضمن جغرافيتها السياسية إنْ لم تكن الطبيعية. والمؤشر الذي لا يخطئ هو صعود الدور التركي على مسرح الشرق الأوسط واستحالته عاملاً معادلاً، وربما رادعاً إيجابياً، للدور الإيراني.

ولا شك أنّ تخفيف تركيا لعبء علاقاتها مع إسرائيل يتيح لها لعب دور الدولة الإقليمية الوازنة في محيطها، وقد ذهبت بالتخفف من هذا العبء إلى رفض المحاولات الإسرائيلية محاصرة إيران بالأعداء بسبب برنامجها النووي، بل تسعى مع الآخرين إلى إبقائه سلمياً، من دون العمل على تغيير النظام، أو اللجوء إلى ضرب إيران الذي ستكون له مضاعفات كارثية في المنطقة. وفي المقابل لاشك أنّ تركيا قلقة من تعاظم دور إيران في المنطقة ونجاحها في توسيع نفوذها والإمساك بأوراق أساسية في العراق ولبنان وفلسطين‏،‏ إلى جانب أنّ مشروعها النووي يداعب خيال قطاعات واسعة من شعوب المنطقة المثقلة بالغضب على السياسة الأميركية‏.‏

وهكذا، تدور في كثير من الأوساط والمنتديات الفكرية والسياسية العربية نقاشات واسعة حول الدورين التركي والإيراني وتأثيرهما الاستراتيجي على مستقبل الشرق الأوسط. وفي مقابل هذا الصعود للقوتين التركية والإيرانية ثمة تراجع عربي واضح، فالانقسام بين الدول العربية لم يعد خافياً على أحد، ولم يعد أحد يحرص على إخفائه. حيث تتجه منطقة الشرق الأوسط نحو تكتل يضم تركيا وسورية وإيران والعراق، ليكون ركيزة النظام الإقليمي الذي سينشأ على أنقاض الانسحاب الأميركي العسكري من العراق.

وبقدر ما أنّ هناك فراغ قوة وفراغ قيادة جماعية في النظام الإقليمي العربي، بعد انكسار التفاهم الثلاثي المصري ـ السعودي ـ السوري الذي كان يشكل بوصلة لأجندة النظام الإقليمي العربي وأولوياته. بقدر ذلك كله يتعاظم الطلب على دور تركيا ويزداد نفوذها، بسبب موقعها في وسط شبكة التفاعلات الدولية والإقليمية الكثيفة وديبلوماسيتها النشطة. د. عبد الله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس