تركيا ... ملف الطوائف الأصعب

لا حل في الأفق لدى العدالة والتنمية

كانت تركيا، في ظل السلطنة العثمانية، ومازالت بلدالطوائف بامتياز، ويعتبر هذا التعدد مع الوقت من عوامل انهيار السلطنة بدءا من القرن التاسع عشر إلى انهيارها التام في العام 1918، فإن الجمهورية التركية التي تأسست على أنقاض الدولة العثمانية العام 1923 اختزنت بدورها سلطنة جديدة مصغرة توجد فيها اثنيات وأديان ومذاهب متعددة. والمشكلة ليست في تعدد الأديان والمذاهب والاتنيات التي تشكل عامل غنى لأي دولة ومجتمع، بل في السياسات المتبعة من جانب الأكثريات، في تركيا وغير تركيا، ازاء المجموعات الأخرى الأقل عدداً.

وتركيا في الواقع كانت مسرحاً لتحويل التعدد الديني والاثني والمذهبي الى عامل فتنة وانقسام وتوتر واضطرابات ومواجهات دموية على امتداد تاريخها الحديث منذ التأسيس(1923)، وحتى اليوم (2012)، ولا يبدو في الأفق، رغم تقدمها على طريق الاتحاد الأوروبي، ما يؤشر الى امكانية خروج تركيا من نفق التمييز ضد الطوائف على مختلف انتماءاتها وبالتالي استمرار مشكلاتها وما تعكسه من مخاطر على تعميق الشروخات الداخلية وتداعياتها على اللحمة الاجتماعية ووحدة الأراضي التركية.

لم يكن واقع الأكراد في تركيا حتى نهاية التسعينيات قد دخل عليه اي تغيير جذري باستثناء بعض التسهيلات في التحدث باللغة الكردية في الأماكن العملية والغناء بها في عهد اوزال. غير أن التسعينيات عرفت تحولا في النظر الى مشكلة الأكراد في تركيا من جانب المسؤولين الأتراك.فرئيس الحكومة سليمان ديميريل اعترف عام 1991 للمرة الأولى بوجود "واقع كردي" في تركيا وبعده تحدثت رئيسة الحكومة طانسو تشيللر عن نموذج الباسك للأكراد ومن ثم قال رئيس الحكومة مسعود يلماز ان طريق الاتحاد الأوروبي تمر في ديار بكر. لكن أيا منهم لم يذهب بخطوات عملية في هذا الاتجاه.

مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، نهاية العام 2002، كانت الآمال بتحقيق نقلة نوعية في الملف الكردي كبيرة. فالحزب له توجه اسلامي ويفترض أن يكون بعيدا عن التعصب القومي. كما أن له اجندا خاصة للدخول الى الاتحاد الاوروبي عبر تحقيق أكبر قدر من الاصلاحات السياسية والاقتصادية. ومع أن الحزب بقيادة رجب طيب أردوغان حقق نقلة إصلاحية قوية، فتحت له باب المفاوضات المباشرة مع الاتحاد الأوروبي لنيل العضوية في العام 2005 غير انه لم يحقق اي تقدم في هذا المجال.

وفي الواقع أن الأكراد في تركيا رغم أنهم ليسوا موحدين غير أن النظرة الغالبة في وسطهم؛ هي تلك التي يمثلها حزب "السلام والديموقراطية" وحزب "العمال الكردستاني"، اللذان يعتبران وجهان لعملة واحدة. واذا كان حزب العمال الكردستاني قد طرح في البداية استقلال كردستان غير انه بعد اعتقاله طوّر اوجالان بالذات مطلبه بالدعوة الى البقاء في اطار وحدة الاراضي التركية لكن ان تكون تركيا جمهورية ديموقراطية تعطي الأكراد كامل حقوقهم الثقافية. غير أن عدم تجاوب الدولة التركية، بكل حكوماتها المتعاقبة، مع هذا الطرح دفع بالأكراد لاحقا إلى رفع مطلب الحكم الذاتي كشرط اساسي لحل المشكلة الكردية.وقد شجّع على مثل هذا الطلب إنشاء كونفدرالية كردية في العراق بعد الغزو الأميركي في العام 2003 وتثبيت ذلك في الدستور العراقي اللاحق.

لم يظهر الشيعة الاثني عشرية في تركيا كعنصر واضح في المعادلات الداخلية التركية، إلا في السنوات الأخيرة. وهم في الأساس من أصول أذرية من المناطق والقرى التركية الواقعة على الحدود مع ارمينيا. وقد لعبت الظروف الاقتصادية في دفعهم للهجرة الى المدن الكبرى، ولا سيما اسطنبول حيث سكنوا في الضواحي والأحياء الفقيرة وكان تمركزهم الأساسي في منطقة "حلقة لي" الفقيرة في اسطنبول. ويعرف الشيعة الاثني عشرية في تركيا باسم "الجعفرية" اكثر من "الشيعة" كما تلازمهم صفة "الأذرية" نظرا لانتمائهم العرقي.

ليس من رقم دقيق لعدد الشيعة الجعفرية في تركيا، ولكن يقدر البعض عددهم بحوالي المليونين وقد يكونون اكثر من ذلك. والعلويون غير معترف بهم كهوية مستقلة لها مؤسساتها من جانب الدولة، وبالتالي هم غير ممثلين في "رئاسة الشؤون الدينية"، ولا يحبذون الانضمام اليها لأنهم سيكونون فيها أقلية لا تأثير لهم. لذا هم يطالبون بمجلس مستقل خاص بهم غير تابع للدولة.لكن يطالبون بمساعدات من الدولة من دون تدخل في شؤونهم الدينية.

لليهود في تركيا حضور تاريخي يعود الى سقوط الاندلس في العام 1492 وهروبهم بعشرات الآلاف من محاكم التفتيش الكاثوليكية الى الدولة العثمانية.ومنذ ذلك الحين وهم يعيشون بسلام وأمان، بل تولوا بعض المواقع في الدولة. ومع أن اليهود تعرضوا بعد تأسيس الجمهورية لمضايقات أبرزها الضريبة على الثروات خلال الحرب العالمية الأولى والتي استهدفت الأغنياء من اليهود والمسيحيين غير أنهم مارسوا نفوذاً في القطاعات الاقتصادية. وبعد تأسيس دولة اسرائيل في العام 1948 هاجر الآلاف من اليهود إلى اسرائيل، ولم يبق في تركيا سوى العدد القليل منهم الذين يقدرون الآن بحوالي ال 20-25 ألفاً.

ويتركز النفوذ اليهودي في تركيا في القطاعات الاقتصادية، وفي الاعلام.ويأتي جانب من نفوذهم من علاقات تركيا مع اسرائيل واعترافها كأول دولة مسلمة بها في العام 1949. ولم تتغير علاقات تركيا مع اسرائيل لجهة استمرار التحالف، وإن عرفت بعض التوتر في بعض الفترات. كذلك يأتي نفوذهم من مراعاة تركيا لهم نظرا لحاجة انقرة إلى دعم اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ضد اللوبيين اليوناني والأرمني. وشارك اليهود في الحياة السياسية وتعاقب تسعة نواب في البرلمان بين العامين 1935 و1960. وانتخب احدهم في العام 1995 هو جيفي قمحي عن حزب الطريق المستقيم بزعامة طانسو تشيللر.

على الرغم من أن معاهدة لوزان منحت المسيحيين في تركيا امتيازات وضمانات دولية بممارسة استقلالهم الذاتي في الشؤون الدينية والثقافية؛ فإنهم وبخلاف اليهود لم يكونوا موضع ترحيب في أي وقت من جانب الأتراك بإسلامييهم وعلمانييهم. وغالبا ما وصف اتاتورك نفسه المسيحيين وممثلياتهم الدينية ولا سيما بطريركيتهم في اسطنبول بأنها وكر للعمالة والخيانة.

وتتلخص مطالب المسيحيين في تركيا بالاعتراف ببطريركية الروم الأرثوذكس في اسطنبول بأن لها صفة مسكونية، اي عالمية وبأنها مرجع للأرثوذكس في العالم وليس مجرد كنيسة تابعة لقائمقام منطقة أيوب التابعة لها كما توصّفها الدولة التركية. ويطالب المسيحيون بإعادة فتح مدرسة الرهبان في هايبلي اضة قرب اسطنبول، التي اغلقت في الخمسينيات من القرن الماضي.

ويمثّل الأرمن حالة خاصة في الوسط المسيحي، إذ انه الى جانب المطالب العامة بحماية الحريات الدينية، فإن القضية الأرمنية تتصل بالمجازر التي ارتكبتها الدولة العثمانية ضد الأرمن في السنة 1915، والتي ذهب ضحيتها، وفق تقديرات الأرمن، مليون ونصف المليون أرمني، فيما تتحدث اعترافات الأتراك إلى نصف المليون تقريباً. والخلاف ليس على الأرقام فقط، بل على توصيف المجازر، إذ يعتبرها الأرمن إبادة نظراً إلى أمر رسمي من وزير الداخلية العثماني طلعت باشا في التخلص من كل الأرمن في تركيا، وتهجيرهم من أماكن وجودهم فيما تنفي الدولة التركية وجود مثل هذا الأمر.

مطالبة الأرمن باعتراف الدولة التركية بوجود ابادة يليه المطالبة بالتعويضات على الضحايا، وإعادة الأراضي التي كان فيها الأرمن الى اصحابها.وهو ما ترفضه الدولة التركية بشكل قاطع وتدعو الى تشكيل لجنة تاريخية من المؤرخين لبت مسألة وجود إبادة من عدمها.

ولا شك أن القضية الأرمنية من أكبر التحديات التي تواجه السياسة الخارجية التركية، ولا سيما في الغرب حيث ينشط الأرمن لانتزاع قرارات من برلمانات الدول الخارجية للاعتراف بحصول ابادة.ولا شك ان القضية الارمنية ستكون من عوائق انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي ان لم تجد حلا قبل ذلك. والأرمن موجودون في الأناضول، ولا سيما شرقها منذ أقدم العصور. ومعظم الأرمن الذين هجّروا الى سوريا ولبنان والعراق بعد مجازر 1915 جاؤوا من شرق الأناضول.

ويقدر عدد الأرمن الموجودين الآن في تركيا بحوالى سبعين ألفاً، لهم بطريركية في اسطنبول وكنائسهم(45 كنيسة منها 38 في اسطنبول وثلاث في الاسكندرون وواحدة في قيصري) ومدارسهم(16 مدرسة) وصحفا أشهرها "آغوس" الاسبوعية التي اغتيل رئيس تحريرها هرانت دينك في 19 كانون الثاني (يناير) 2007. واعتبر القضاء التركي في مطلع العام 2012 أن الجريمة دافعها فردي وليست منظمة. وقد لاقت الجريمة حينها ردة فعل شعبية غاضبة تحت عنوان "كلنا أرمن".