تركيا تدفن حلم الامبراطورية وتكتفي بدور حلقة الوصل

أنقرة - من كريس واد
النفط ابقى من الامبراطوريات

في خضم نشوة الفرح التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي راود القوميون الاتراك حلم إنشاء إمبراطورية قومية تركية تضم دول القوقاز المستقلة حديثا بقيادة تركيا بطبيعة الحال.
وأفصح الرئيس سليمان ديميريل عن هذه الآمال خلال زيارة له لعدد من الدول الاسلامية عام 1992 قائلا "ما من أحد يستطيع الان أن ينكر حقيقة وجود عالم تركي يمتد من شواطئ البحر الادرياتيكي إلى سور الصين".
وسرعان ما تلقف القوميون الاتراك هذه الفكرة حيث بدأ يساورهم الامل في إنشاء إمبراطورية بالاستناد إلى مقولة شعبية مأثورة وهي أن الجنس التركي ولد من ذئب في مكان ما بآسيا الوسطى.
غير أن تلك الفكرة قوبلت بالرفض من جانب رئيس الوزراء التركي آنذاك تورغوت أوزال والدول المستقلة حديثا التي تكاد لا تشعر على الاطلاق بأنها تركية وهو ما صار واضحا أثناء مؤتمرات القمة للدول الناطقة بالتركية حيث لا يزال هناك حاجة حتى اليوم إلى وجود مترجمين لكي يساعدوا الزعماء على فهم بعضهم البعض.
ومع تلاشي هذه الاحلام بالقومية التركية رويدا رويدا تحول دور تركيا في المنطقة من زعيمة محتملة إلى دولة تعمل كحلقة وصل للطاقة بين دول القوقاز وأوروبا.
فعلى مدى 16 عاما منذ استقلال جمهوريات القوقاز تتصارع تركيا وروسيا اللتان سادت بينهما روح العداء طيلة قرون حول كيفية توصيل إمدادات البترول والغاز الضخمة التي تزخر بها آسيا الوسطى إلى الاسواق الغربية.
في الوقت نفسه أدى انتصار النظام الرأسمالي إلى تمكين شركات البترول الغربية من الاستثمار وزيادة إنتاج الشركات المحلية التي تتولى استخراج البترول من بحر قزوين. لكن مع وجود منطقة من اليابسة حول بحر قزوين برزت الحاجة إلى منفذ جديد يمكن من خلاله تصدير النفط.
وكانت روسيا تريد أن يمر خط أنابيب البترول الجديد عبر أراضيها بينما كان إنشاء خط أنابيب مباشر من باكو عبر إيران إلى الخليج هو الخيار الاقل تكلفة.
لكن تركيا بدعم قوي من الولايات المتحدة انتصرت في المعركة حيث تم إنشاء خط أنابيب باكو- تبليسي جيهان بتكلفة قدرها 3.6 مليار دولار. وفي العام الماضي تم ضخ باكورة النفط من أذربيجان عبر جورجيا إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط.
ويعد الغاز هو محور المعركة الاخيرة بين روسيا وتركيا. إذ تعتزم تركيا استغلال موقعها الجغرافي كدولة عبور (ترانزيت) من أجل نقل إمدادات الغاز من آسيا الوسطى إلى أوروبا.
لكن ذلك الحلم مني بلطمه الشهر الماضي عندما اتفقت شركة جازبروم الروسية وشركة الغاز الطبيعي الايطالية إيني على إنشاء خط أنابيب يمتد لمسافة 900 كيلومتر تحت البحر الاسود بين روسيا وبلغاريا لاستخدامه في نقل الغاز الطبيعي من تركمانستان إلى أوروبا عبر كازاخستان وروسيا.
هذا الخط سيكون منافسا رئيسيا لمشروع خط أنابيب نابوكو المقترح والذي تبلغ تكلفته 6 مليارات دولار وهو خط أنابيب يمتد من بحر قزوين عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا إلى أوروبا.
ويهدف هذا المشروع في الاساس إلى تخفيف الاعتماد الهائل الحالي لاوروبا على إمدادات الطاقة الروسية.
هذه المعارك الناشبة بسبب التنافس على طرق نقل الغاز لا تزال مستمرة حتى الان، لكن تركيا بدأ يتملكها القلق. فأثناء مؤتمر الطاقة الذي عقد في اسطنبول الشهر الماضي ألح المسئولون الاتراك على الاتحاد الاوروبي لكي ينخرط بصورة أكبر في الضغط من أجل الموافقة على مشروع نابوكو.
فقد أعلن حلمي جولر وزير الطاقة التركي أثناء المؤتمر "ينبغي على الاتحاد الاوروبي دفع الدول المنتجة للغاز إلى الاستثمار (في إنشاء خط أنابيب عبر بحر قزوين).
ربما تكون تركيا قد تخلت عن حلمها في زعامة إمبراطورية القومية التركية لكنها لا تزال مصممة على البقاء كجسر بين أوروبا وآسيا على حد تعبير مجلس السياحة التركية.
وفي خضم هذا الجزء الصغير من الصراع العالمي على القوة فإن السائحين ليسوا هم فقط الذين تحرص تركيا على اجتذابهم ولكن الغاز والنفط أيضا.