تركيا المتعثرة تكابد لكتم صدى أزماتها

الإرهاب تحت السيطرة

أنقرة - تتعمد تركيا التي تعيش على وقع وضع أمني متذبذب وغير مستقر، الترويج لواقع مغاير على جميع الأصعدة. حيث توظف الآلة الإعلامية الرسمية للحديث عن أوضاع تحت السيطرة على المستوى الأمني والاقتصادي، مستفيدة في ذلك من تغييب الأصوات المعارضة التي قد تتكفل بقول ما يخالف ذلك بعد موجة الاعتقالات التي طالت الصحافيين والسياسيين المعارضين لإرادة الرئيس رجب طيب إردوغان.

فرغم تتالي الهجمات التي استهدفت في مناسبات متتالية أهدافا عسكرية ومدنية في مواقع مختلفة من البلاد بما فيها العاصمة الاقتصادية اسطنبول، تتعمد أنقرة استخدام خطاب التخفيف من وقع الكارثة.

فبالعودة إلى أبرز الهجمات التي استهدفت البلاد ـ وليس جميعها ـ نجد أنه في ليلة رأس السنة الأخيرة قتل 39 شخصا بينهم 26 أجنبيا في إطلاق نار في ملهى "رينا" الشهير في اسطنبول. حيث أطلق المهاجم المزود برشاش النار عشوائيا على حشد المحتفلين برأس السنة قبل أن يلوذ بالفرار، وتبنى تنظيم الدولة الإسلامية الاعتداء.

وفي الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر سقط تسعة قتلى بينهم شرطيان في اعتداء بسيارة مفخخة أمام مركز شرطة في دياربكر، كبرى مدن جنوب الشرق التركي ذي الأكثرية الكردية. ونسبت السلطات في مرحلة أولى الهجوم إلى حزب العمال الكردستاني، لكن التنظيم الجهادي أعلن مسؤوليته عنه في مساء اليوم نفسه قبل أن يتبناه بعد يومين تنظيم صقور حرية كردستان المقرب من حزب العمال الكردستاني.

وفي 20 آب / أغسطس قتل 57 شخصا في اعتداء انتحاري لم تتبنه أي جهة، أثناء حفل زفاف لاكراد في غازي عنتاب (جنوب شرق) قرب الحدود التركية السورية، نسبه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إلى تنظيم الدولة الإسلامية. وفي الـ28 من حزيران يونيو قتل 47 شخصا بينهم أجانب كثيرون في ثلاثة اعتداءات انتحارية في مطار أتاتورك الدولي باسطنبول نسبته السلطات إلى الدولة الإسلامية.

وفي الأول من أيار مايو قتل ثلاثة شرطيين في انفجار سيارة مفخخة أمام المقر العام للشرطة في غازي عنتاب، نسبته أنقرة الى التنظيم ذاته. وفي الـ19 من آذار / مارس قتل أربعة سياح في اسطنبول (3 إسرائيليين وإيراني) في اعتداء انتحاري في جادة الاستقلال الشهيرة، نسبته السلطات إلى التنظيم الجهادي. وفي الـ12 كانون الثاني / يناير قتل 12 سائحا ألمانيا في اعتداء انتحاري في منطقة سلطان احمد في قلب المنطقة السياحية باسطنبول، اتهمت السلطات تنظيم الإرهابي بتنفيذه. ولكن هذه المحطات الدموية التي شهدتها تركيا في 2016 لا يبدو أنها كافية لإقناع السلطات في البلاد بأن الأمر بات خطيرا، وان هناك مسببات لا بد من تغيير التعامل معها، وان الاقتصاد "المعجزة" بات على المحك في الآونة الأخيرة.

ويكتفي المسؤولون في تركيا بالحديث عن سيطرة الدولة على المعركة القائمة مع الإرهاب وان الخطط الأمنية الكفيلة بالقضاء على الضالعين في هذه الأحداث ناجعة وتعطي أكلها دون الوعي أن مسار الإرهاب بات متصاعدا ويضرب هنا وهناك. بل وعملوا على تجسيد سياسة قمعية استهدفن كل الأصوات المعارضة في مختلف المجالات كأحد الحلول المتبعة لمواجهة واقع أمني متفاقم ويحتاج إلى حد كبير من المصالحة التوافق الداخلي بدل خلق فتن داخل مكونات الشعب الواحد.

الاقتصاد على المحك

وما من شك أن الوضع الأمني يلقي عادة بظلاله على الاقتصاد في أي بلد كان، وهو شأن تركيا التي يقول مراقبون أن اقتصادها بات على المحك في ظل استمرار عدم استقرار الوضع الأمني وتواصل التهديدات الإرهابية من أكثر من جهة.

وفي الوقت الذي تذهب فيه أغلب التقارير إلى مستوى النمو في تركيا وتضرر قطاعات حيوية جراء الوضع الأمني، يروج الخطاب الرسمي السياسي والإعلامي إلى كون البلاد تمثل في الآونة الأخيرة وجهة رائدة للاستثمار الأجنبي.

في حين أظهرت بيانات رسمية نشرت الثلاثاء أن زيادات حادة في أسعار المواد الغذائية والمشروبات دفعت التضخم في تركيا إلى الارتفاع لمستوي يفوق التوقعات عند 1.64 بالمئة في ديسمبر كانون الأول ما دفع الليرة للتراجع صوب مستويات منخفضة قياسية.

وأدى القلق المتزايد بشأن التضخم إلى مزيد من التدهور في معنويات المستثمرين بسبب المخاوف الأمنية بعد سلسلة من الهجمات بالقنابل والرصاص وتباطؤ الاقتصاد وحالة الضبابية السياسية الناجمة عن خطط تحول تركيا إلى نظام الرئاسة التنفيذية الذي يتولي الرئيس بمقتضاه سلطات تنفيذية.

وتجاوزت الزيادة في مؤشر أسعار المستهلكين على أساس شهري الزيادة المتوقعة البالغة 0.93 في المئة. وذكر معهد الإحصاء التركي أن مؤشر أسعار المستهلكين قفز 8.53 في المئة على أساس سنوي.

وتراجعت الليرة واحدا في المئة إلى 3.5800 مقابل الدولار بعد صدور البيانات لتقترب من المستوى القياسي المنخفض عند 3.6 ليرة للدولار الذي سجلته العملة في الثاني من ديسمبر كانون الأول.

وقفزت الأسعار في معظم القطاعات ذات الثقل والتي تشمل المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية 3.29 في المئة في ديسمبر كانون الأول بينما ارتفعت أسعار المشروبات الكحولية والسجائر 7.33 في المئة على أساس شهري.

ورغم التوقعات بارتفاع الصادرات إلى 155 مليار دولار العام الجاري في ظل تعافي الصادرات لروسيا وإسهام ارتفاع الطلب من الدول المصدرة للنفط في تعزيز الصادرات، إلا أن الكثير من الخبراء الاقتصاديين يؤكدون على أن السياحة التركية ستتضرر أكثر بعد الهجوم الإرهابي الأخير الذي جد في سهرة السنة ما سيؤثر سلبا على الاقتصاد عموما نظرا لأهمية هذا القطاع في بلد يراهن كثيرا على السياحة كمورد رئيسي.

من جهة أخرى تقف تركيا اليوم في موقف دقيق جراء مواقف وسياسات الرئيس أردوغان الأخيرة ويتجه اقتصادها إلى منعطف اقتصادي خطير في ظل تزايد احتمالات تراجع المزيد من الاستثمارات الخارجية وفي مقدمتها الاستثمارات الأوروبية التي تشكل القسم الأكبر من الاستثمارات الأجنبية. إذ قد تعرقل التوترات السياسية الحالية مع الاتحاد الأوروبي قد تعرقل رفع مستوى التبادل والتعاون التجاري والاستثماري والسياحي بين الطرفين، لاسيما وأن الاتحاد الأوروبي يعتبر الشريك التجاري الأهم لتركيا، التي تتبادل معه نحو 40 بالمئة من تجارتها الخارجية.

ولكن رغم هذه الوقائع مازال الخطاب الرسمي السياسي والإعلامي يغرد على إيقاع منسجم مع سياسيات ومواقف أردوغان، دون تقديم تقييمات واقعية لما يجري، وهو ما قد يحمل الاقتصادي إلى حتفه على وقع ذات المعزوفات.