تركيا: الديمقراطية المحافظة والبحث عن شرعية

اجتماع الإخوانية والديمقراطية المدنية مهمة عسيرة

لم يكن حزب "الشعب الجمهوري" يمثل المعارضة الرئيسية الوحيدة لحزب العدالة والتنمية، بل كانت هناك معارضة أخرى أكثر شراسة وحدة تتمثل في النخبة العلمانية، التي كانت على قناعة واعتقاد تام بأن الحزب حركة إسلامية، لها أجندة سرية تهدف إلى قلب الإصلاحات الكمالية - العلمانية رأساً على عقب.

ومن ثم فقد خلق له هذا الاعتقاد مشكلة شرعية في علاقاته بقوى النظام، ولكي يقضي حزب العدالة والتنمية على هذا الهاجس لدى النخبة العلمانية، كان لا بد أن يقدم طرحاً سياسياً جديداً بعيداً عن الإسلام، لا يحوي في تكوينه كلمة الإسلام، أو الإسلاموية وحتى لو اقترنت بالديمقراطية، بهدف إحراز الشرعية لدى هذه النخبة والتعزيز من شأن الثقة به.

وعليه، فإن وصف "الديمقراطية المحافظة" يعد الأنسب لحزب العدالة والتنمية في ظل المناخ السياسي التركي، على اعتبار أنه مكون من كلمتين أولهما كلمة "الديمقراطية" التي يكاد يكون هناك إجماع عالمي واتفاق دولي على جميع عناصر معاييرها الأساسية، فهي الكلمة الأقل جدلاً على مستوى العالم من حيث الشرعية، أما كلمة "المحافظة"، وهي الشق الثاني من الكلمتين المكونتين لهوية الحزب، فهي تقدم وصفاً لا يمكنه إقصاء أو استثناء أي قيمة يراد الحفاظ عليها "دينية كانت، أو علمانية، أو مذهبية، أو غيرها".

وعليه أيضاً، عندما أدرك قادة حزب العدالة والتنمية الذين شبوا داخل حركة الفكر الوطني، ولا سيما عقب انقلاب 28 فبراير 1997 أن "الهوية الإسلامية" لم تعد مقبولة في تركيا، حتى من قبل القطاعات الإسلامية، وأن "الديمقراطية الإسلامية" التي حاول حزب الرفاه، طرحها لم تساعده على تخطي مسألة الشرعية، بل على العكس، زادتها تعقيداً، اتجه أعضاء حزب العدالة والتنمية للبحث عن لغة جديدة حديثة تقوم على الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.

وعليه، فقد شكل حزب العدالة والتنمية مرجعيته السياسية بهدف الحصول على الشرعية على أساس النقاط التالية:

1- واقع الدولة العلماني.

2- واقع المجتمع الرافض للراديكالية الإسلامية والضغط البيروقراطي.

3- الواقع العالمي.

4- واقع الحزب نفسه.

السعي لإحراز الشرعية من خلال:

1- التزامه بالإطار الدستوري والقانوني.

2- الدعم السياسي من قبل الشعب عن طريق الانتخابات.

3- السعي لأن يكون حركة سياسية مسالمة تتماشى مع البنية المؤسسية، وتقاليد الدولة ونظامها عبر أطروحة سياسية جديدة.

وقد حمل الطرح الديمقراطي المحافظ لـ"حزب العدالة والتنمية"، من قبل حرصه على إحراز الشرعية ثلاث رسائل أساسية منها ما هو موجه للداخل، ومنها ما هو موجه للخارج:

* الرسالة الأولي: حرص حزب العدالة والتنمية على الأغلبية الناخبة، مع التأكيد على الحساسيات المحلية.

* الرسالة الثانية: رسالة حماسية يبعث بها الحزب للرأي العام الخارجي من خلال أيديولوجيا غربية ليس لها مشكلة شرعية متمثلة في الأيديولوجيا المحافظة.

* أما الرسالة الثالثة: والأخيرة والأهم فهي رسالة أننا كحزب العدالة والتنمية ليس لنا أي علاقة بالإسلام السياسي، والمراد إرسالها إلى المركز الكمالي.

فقد رفض أردوغان على الدوام أية هوية لحزب العدالة والتنمية تتعلق بالمرجعية الدينية، وربما كان الباعث على ذلك القضاء على مزاعم البيروقراطية العسكرية، والمدنية المتمثلة في الجيش والقضاء، واستعاض أردوغان عن ذلك بإصراره على أن يكون حزبه حزباً محافظاً لجميع المواطنين الأتراك، وأراد من خلال المرجعية (الديمقراطية المحافظة) أن يجمع حوله جميع قطاعات الشعب -الذي يصف نفسه دائما بأنه واحدً منهم- وأن يجعل منهم قوة هائلة في وجه النخبة العلمانية - الكمالية المسيطرة بقوة على أجهزة الدولة المختلفة، وذلك بهدف الحصول على الشرعية.

فحزب العدالة والتنمية سعى للحصول على الشرعية عبر إجماع الشعب عليه، وبينما هو يسعى لتأمين الشرعية من هذه الناحية لم ينسَ حساسيات الدولة، وأنه لن يتسنى له تحقيق الشرعية لدى الدولة إلا بالتأقلم والتكيف مع سياساتها من خلال القول والفعل، مما اضطره -على حد وصف بعض الكتاب- إلى أن يضيق ساحة حريته الخاصة به؛ لذا فقد سار في خط حساس للغاية في سبيل منح الشعب المزيد من الحريات التي يرغب بها من جانب، وفي سبيل أخذ حساسيات الدولة في الاعتبار من جانب آخر بهدف تحقيق شرعيته.

لذا فإن التيار المحافظ يحافظ على كل من الدولة المتمثلة في النخبة العسكرية والبيروقراطية، والمجتمع وقيمه الاجتماعية، من خلال اقتراح أسلوب متطور يهدف إلى تحويل القيم الاجتماعية إلى قيم للدولة.

في النهاية نقول: إن الديمقراطية المحافظة على الرغم من اتخاذ الحزب لها كهوية سياسية، ماتزال قيد الإنشاء وفي طور التجربة، فهي تجربة فريدة من نوعها في عالم السياسة خاصة فيما يتصل بعالمنا الإسلامي.