تركيا الإخوانية: ديمقراطية محافظة أم إسلاميَّة

شبح الاحتجاج

تأسس حزب العدالة والتنمية 14 أغسطس 2001، ووصل منفرداً إلى سدة السلطة بحصوله على 34.29%، و(363) مقعداً من إجمالي (550) هي عدد مقاعد البرلمان عقب انتخابات 3 نوفمبر 2002، حيث أصبحت مجموعة الحزب بمجلس الأمة التركي الكبير أكبر جماعة سياسية يشهدها تاريخ تركيا المعاصر. فقد قرر حزب العدالة والتنمية أن يصبح حركة سياسية جديدة تماماً تقوم على منهج مختلف، بدلاً من أن يكون حزباً أكثر تجديداً، وامتداداً لحركة الفكر الوطني.

يصف رجب طيب أردوغان الهوية السياسية لحزبه بـ"الديمقراطية المحافظة"، ويذكر أن "حزب العدالة والتنمية يهدف بهذه الهوية إلى إعادة تشكيل نظام قيمنا المحلية والراسخة عبر خط سياسي محافظ مواكب للمقاييس العالمية، وباقتباس فكره من تقاليدنا". فقد عرّف المفهوم السياسي للديمقراطية المحافظة على النحو التالي:

"السياسة ساحة للتوافق بين الفروق التي تشهدها الساحة الاجتماعية، ويجب أن تقوم السلطة السياسية على أساس الشرعية القانونية والدستورية والسياسية، ويجب ألا يظل الحكم السياسي رهن فرد أو مجموعة، بل يجب أن يقوم على أساس فكرة الحكومة والدولة المحددة، فالتيار المحافظ، يعارض التغيير الثوري، ويؤيد التغيير التدريجي، ويتخذ الاعتدال أساساً بدلاً من التعصب، ويؤمن بضرورة الحفاظ على التقاليد، والعائلة، والتجارب الاجتماعية التي جاءت من الماضي".

وتحدث عبدالله غول (الرجل الثاني في الحزب) عن التيار المحافظ التركي، ومكوناته في الحوار الذي أجراه معه هابيل تَجيمَن (محرر الأخبار الخارجية بجريدة بوجون التركية)، على النحو التالي، قائلاً:

"لا نعتقد أن حزب العدالة والتنمية بصدد البحث عن هوية سياسية، فقد أفصح عنها صراحة، وأفصح عن توجهاته الاجتماعية، والسياسية، فوصْفُ الهوية السياسية الديمقراطية المحافظة، لم يدخل علم مصطلحات العلوم السياسية بتركيا عبر حزب العدالة والتنمية، ولكن يجب القول: إن التيار المحافظ بدأ في تركيا مع وصول الحزب الديمقراطي إلى سدة السلطة في الخمسينيات، ويمكن طرح التيار المحافظ على أنه موروث فكري أكثر من كونه نظرية".

"ويمكن تقييم الهوية السياسية لـحزب العدالة والتنمية في إطار ثلاثة أنماط أساسية تفصح عن مكونات البنية الاجتماعية والسياسية لتركيا، وهي: التيار الإسلامي، والقومية التركية والتحديث التركي، كما يمكن تقييمها من منظور القاعدة البراغماتية للتيار المحافظ الذي يتشكل في إطار القيم الغربية الشائعة حالياً".

"فالعناصر الأساسية التي تُكون بعد الهوية المحافظة لأيديولوجيا حزب العدالة والتنمية، هي عبارة عن العناصر التي نشأت من استيعاب القيم الإسلامية، ومن الحاجة الملحة إليها في الحياة اليومية والسياسية، فقد قامت فلسفة التيار المحافظ على أساس حماية الميراث الوطني والثقافي، فالهوية السياسية لـحزب العدالة والتنمية - التيار المحافظ - ذات طابع براغماتي خاص بالواقع التركي".

"أما الجانب الإسلامي للهوية الديمقراطية المحافظة لحزب العدالة والتنمية، فهو معتدل يميل إلى الوسطية بعيداً عن الراديكالية والتطرف، والجانب القومي لها ليس تلك القومية الطورانية التي يتبناها حزب الحركة القومية، بل هي قومية خاصة تمزج ما بين القومية التركية والقيم الإسلامية، أما الجانب التحديثي أو التغريبي في هوية حزب العدالة والتنمية، فهو يقر بالاندماج التام مع الغرب والاتحاد الأوربي".

أهداف للديمقراطية المحافظة:

1- إيضاح أن هوية الحزب لا تشكل تهديداً على المجتمع الدولي.

2- إزالة مخاوف الرأي العام العلماني من خلال هوية سياسية تتجه نحو يمين الوسط، وطمأنة مؤيديه، والتأكيد لهم أنه سيستمر في لعب دور أساسي تجاه السياسيات الإسلامية، بحجة أنها أساس القيم المشتركة التي يهدف الحزب إلى تمثيلها.

3- تقليص الدور السياسي للإسلام، وإبعاد الحزب نفسه عن أن يُنظر إليه على أنه يسعى إلى إصلاح الحركة الإسلامية، وذلك عبر اختزال مبادئ الإسلام في مجموعة من القيم التقليدية الموجودة بدورها داخل المجتمع، وطرحها بهذا الشكل على الساحة العامة بدلاً من تهميشها.

"التيار المحافظ لحزب العدالة والتنمية ليس بصدد حماية المؤسسات المتجذرة (العلمانية) وعلاقاتها، ولكنه بصدد الحفاظ على المبادئ والقيم المهمة حال حدوث عملية التقدم والتطوير، فالحزب يرى أن استخدام الدين كأداة سياسية قد ألحق الضرر بالسلام الاجتماعي، والتنوع السياسي، بل وبالدين نفسه، فالديمقراطية المحافظة تهدف إلى مزج المحلية بالعالمية، والتقليدية بالحداثة، والجوانب الأخلاقية بالعقلانية".

ديمقراطية محافظة أم ديمقراطية إسلامية

ما إن طرح حزب العدالة والتنمية الفكر الديمقراطي المحافظ على الساحة السياسية كهوية جديدة له، حتى بدأ الجدل حوله، فالبعض ادعى أن هذا التيار ما هو إلا غطاء يخفي الحزب تحته هويته الإسلامية، وأن الحزب ما هو إلاّ امتداد للأحزاب التابعة لتيار الإسلام السياسي، ووسط إنكار أعضاء الحزب لهذا الادعاء، كان الحرص على استعرض هذه النقطة عبر العديد من الاستشهادات.

ففي حوار مع جريدة "الصباح" التركية في 16/ 8/ 2003، وصف المستشار السياسي لرجب طيب أردوغان: يالچين آق دوغان الهوية السياسية لحزب العدالة والتنمية على النحو التالي:"هناك من عرف الديمقراطية المحافظة الخاصة بنا على أنها ديمقراطية إسلامية، ولكن هذا ليس صحيحاً، لأن الوصف بمصطلح الديمقراطية الإسلامية، يجعل هناك تمييزاً بيننا وبين الآخرين، ويحث على الفرقة، والانقسام، ويؤدي إلى العديد من التوترات، وهكذا إذا ما أدى إلى الاستقطاب، ستتولد العديد من المشكلات الاجتماعية؛ لذا فقد طُرحت الديمقراطية المحافظة لتنتهج نمطاً سياسياً مختلفاً عن هذا النمط الذي يبدو وكأنه ممثل للإسلام السياسي، أو الأحزاب التي يطلق عليها على أنها ممثلة للإسلام السياسي، فمفهوم الديمقراطية المحافظة بصدد مرحلة جديدة تسعى لتجاوز كل هذا".

ورداً على من يدعي أن حزب العدالة والتنمية عندما لم يتمكن من استخدام وصف (الديمقراطي الإسلامي)، استخدم وصف (الديمقراطي المحافظ)، يكذب كادر حزب العدالة والتنمية هذا الادعاء في كل حين، ويذكرون أن وصف الحزب لنفسه بـ"الهوية الديمقراطية الإسلامية"، أو "الإسلامي المعتدل"، يسبب العديد من المشكلات على صعيد السياسية الداخلية، ويدخل في إطار سياسة الهوية التي يريد أن يتخطاها الحزب، وأن وجود الحزب في أي طبقة من طبقات الإسلام السياسي سيثير العديد من الجدل حوله، ولا سيما بين الأوساط العلمانية؛ لذا وبدلاً من أن يكون للحزب صلة مباشرة بالتيار الإسلامي من خلال هوية تحمل في تركيبها اسم "إسلامي"، فقد فضل الحزب أن يعرِّف بنفسه على أنه حزب محافظ مكون من أشخاص يقرون بضرورة احترام وتبجيل القيم الدينية.

ويُكذِّب قادة حزب العدالة والتنمية وعلى رأسهم أردوغان، والعديد من أعضائه الادعاء القائل بأن الحزب (ديمقراطي إسلامي)، فيقول أردوغان:

"إن أفكاري في تطور مستمر، والطبيعي أنني تأثرت كثيراً بمن سبقوني… فحزبنا هو نتاج حقيقي للقيم الوطنية التركية، غير أن هناك بعضاً من وسائل الإعلام والصحف الغربية والمحلية التي تصف حزبي بـ"الحزب الإسلامي" أو "الديمقراطي الإسلامي"، وهذه الأوصاف جميعها غير صحيحة، ليس بسبب أننا غير مسلمين، أو غير ديمقراطيين، ولكن لإيماننا بأنهما سياقان مختلفان… حزبنا يريد أن تكون تركيا قائداً فاعلاً لمنظومة القيم الحديثة، وأن تمزج بين القيم الحديثة والهوية الإسلامية بشكل يحقق عصر نهضة جديداً، يمكن أن يكون مصدر إلهام جديداً للعالم.

ويرى الكادر المؤسس لحزب العدالة والتنمية أن الهوية الديمقراطية المحافظة وصف معبر عن خط سياسي أكثر شمولا، ولأن توجه حزب ما نحو التعريف بنفسه على أنه "حزب إسلامي" في بلد يعج بطوائف وأديان وتوجهات دينية مختلفة، سيتسبب حتماً في حدوث انقسامات واستبعادات جديدة.

فعدم اتخاذ وصف "ديمقراطي إسلامي" كمرجعية سياسية، هو أمرٌ مهم، حيث إن المرجعية "الديمقراطية المحافظة" التي طرحت على التوازي مع انزلاق علاقة الدين والسياسة نحو محور سلبي، والتدابير السياسية التي ألقت بظلالها على محتوى الدين (انقلاب 28 يناير العسكري)، وألحقت ضرراً مباشراً بالدين والمتدينين، كانت الأفضل من أجل تعزيز الأساس الديمقراطي لعلاقة الدين بالسياسة".