تركيا.. إرهاصات عودة العسكر

قيام الجيش بانقلابات عسكرية قد غدا ضربا من الماضي

إذا جاز لنا الزعم بأن عزوف الجيش التركي عن التدخل في أحداث ميدان "تقسيم"، ومن بعدها فضيحة الفساد الكبرى، ثم الانتخابات الرئاسية الأخيرة، علاوة على تعديل بعض المواد الدستورية والنصوص القانونية، قد يعطي زخما مهما لمنظومة القيود السياسية والدستورية التي من شأنها أن تضع نهاية لتاريخ طويل ودام من تدخل الجيش في السياسة التركية، فإن من حقنا التحذير من الإفراط في التفاؤل، ولا سيما أن تجارب غالبية دول العالم الثالث مع تدخل الجيوش في السياسة، تؤكد أن القيود القانونية والدستورية ليست كفيلة وحدها بتلجيم جنوح الجيوش للتدخل في السياسة بأي صورة من الصور، إذا ما أرادت أو توافرت لها المعطيات المواتية والأجواء الملائمة.

فبينما يميل غالبية الأتراك إلى تأكيد أن تدخل الجيش التركي في السياسة قد مضى إلى غير رجعة، وفقا لتصريحات رئيس الأركان التركي الجنرال باشبوغ في يناير (كانون الثاني) 2010 بأن "قيام الجيش بانقلابات عسكرية قد غدا ضربا من الماضي"، يجنح نفر من المحللين الغربيين والأتراك للقول بأن ما اتخذته حكومة العدالة والتنمية من خطوات وثابة على هذا الدرب، لا يمكن أن يدفع إلى القول بأن عهد تدخل الجيش في السياسة قد ولى إلى الأبد؛ وما يمكن الجزم به فقط، هو أن عهد الانقلابات العسكرية في تركيا ربما يكون قد أضحى في ذمة التاريخ، أما دواعي تدخل الجيش في الحياة السياسية قد لا تزال مكفولة بموجب بعض التفسيرات المغرضة والملتوية، من قبل قيادات الجيش وأنصارهم، لبعض الفقرات أو المواد في الدستور الحالي، بذريعة حماية مبادئ الجمهورية.

تحديد وظيفة الجيش

فعلى الرغم من نجاح حزب العدالة والتنمية في تعديل المواد والبنود والفقرات الدستورية التي استند الجيش إلى تفسيرات ملتوية لها في تدخلاته السابقة بالعملية السياسية، ومن أبرزها، المادة (35) من قانون الخدمة الداخلية للجيش، والتي تنص حرفياً على أن "وظيفة القوات المسلحة هي الحماية والحفاظ على الوطن التركي والجمهورية التركية كما هي محددة في الدستور"، هذا علاوة على المادة (85) من قانون الخدمة العسكرية نفسه، التي تؤكد أن "الجندي يحمي الجمهورية والوطن التركيين ضد الأخطار الداخلية والخارجية بقوة السلاح عند الضرورة!" مما يجعل من لجوء العسكر إلى استخدام السلاح، سواء بقصد أو بذريعة الحفاظ على الجمهورية، أمرا مشروعا، وهما المادتان اللتان سوغتا للجيش القيام بانقلاباته العسكرية التقليدية والحداثية ضد حكومات متعددة الهوى والتوجهات فيما مضى، كما خولته توجيه إنذارات وتهديدات بالتدخل غير مرة للحكومة الحالية، على نحو ما تجلى في إنذار أبريل (نيسان) 2007 الشهير، إبان تسمية حزب العدالة مرشحه لرئاسة الجمهورية، على الرغم من ذلك لا يمكن الجزم بأن ظل العسكر في العملية السياسية قد تلاشى كلية، ما لم تنجح جهود حكومة حزب العدالة والتنمية في وضع دستور مدني جديد، يضع المؤسسة العسكرية في مكانها الدستوري الصحيح، حسبما هو متبع في النظم الديمقراطية الحقيقية.

تمثل أول هذه الملامح في تلويحه إبان أزمة ميدان "تقسيم" خلال شهر يونيو (حزيران) 2013، بالاستعانة بالجيش للتدخل وإنهاء التظاهرات وفرض الاستقرار.

أما الملمح الثاني، فتجلى إبان الأزمة الناجمة عن فضيحة الفساد المدوية، التي هزت تركيا مطلع عام 2014، حيث جنح إردوغان ثانية في استمالة العسكر في صراعه مع جماعة فتح الله غولن وخصومه السياسيين من حزبَي الشعب الجمهوري والحركة القومية المعارضين، الذي اتهمهم بالخيانة والتآمر واستغلال القضاء المتواطئ للإطاحة بالحكومة وتأسيس دولة موازية. فقد تعهد إردوغان، فيما اعتبر ردا على رسالة خطية لعسكريين سجنوا بجريرة التورط في مؤامرات انقلابية على الحكومة المدنية المنتخبة، تحذر حكومته من أن تطالها مؤامرات مماثلة من قبل القضاء، بدراسة إمكانية تعديل قوانين من شأنها أن تتيح إعادة محاكمة أولئك العسكريين، ملوحا بأن الجيش وحكومة العدالة ربما يتعرضان –سويا- لمؤامرات يحيكها القضاء والشرطة، اللذان تعاظم نفوذ حركة غولن فيهما بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة.

وعلى الرغم من أن المحكمة قررت إخلاء سبيل باشبوغ دون تبرئة ساحته كلية، حيث منعته من السفر للخارج إلى حين إعادة محاكمته، ذلك أن محكمة التمييز لم تقل كلمتها بعد في القضية، فإن إردوغان قد بارك تلك الخطوة، وكان أول المهنئين لباشبوغ، مذكرا بتأكيده مرارا وجوب محاكمة باشبوغ دون اعتقاله، وكذا تلويحه في يناير (كانون الثاني) الماضي بإمكانية إعادة محاكمته والضباط كافة المتهمين المدانين في القضايا الانقلابية.

ويعود الفضل في إطلاق سراح باشبوغ أولا وأخيرا إلى حكومة العدالة والتنمية، التي أقرت جملة من التعديلات الدستورية والقانونية في العامين الأخيرين، كان من أهمها إفساح المجال أمام الأفراد لتقديم شكاواهم مباشرة إلى المحكمة الدستورية، التي أعطته الأولوية في دراسة ملفه، وإصدار قرارها بالإجماع حول مظلوميته وضرورة إخلاء سبيله.

التنسيق بين أردوغان والجيش

برز في بشائر التنسيق بين إردوغان والجيش، التي بدأت في الظهور عقب تسريح رئيس الأركان السابق الجنرال إلكر باشبوغ، الذي أعلن لحظة خروجه من السجن، وبالفم الملآن، وكأنه على تفاهم تام مع إردوغان: "قضيتنا مهمة، لكن الأهم اليوم هو القضاء على الدولة الموازية التي أطلت برأسها تهدد أمن واستقرار البلاد". وربما هذا هو السبب الذي يدفعنا للمراهنة على أن المرحلة المقبلة ستشهد مساومات وصفقات بأكثر من اتجاه، محورها الرئيس سيكون التنسيق المشترك بين القوتين للبدء في تنفيذ مخطط تقييد تحركات جماعة غولن، واستهداف كبار قياداتها في الداخل والخارج، وحتى توقيف واعتقال كل من تثبت إدانته في مؤامرة استهداف إردوغان وحكومته.

وقد سجل إردوغان منذ البداية اعتراضه وتحفظاته على معاملة قائد عسكري تركي رفيع بهذه الطريقة، وهو أبلغه ذلك بنفسه في لقاء قصر "دولما بهشه" الشهير في أواخر سبتمبر (أيلول) 2011 بينهما، هذا الاجتماع الذي لم يغضب المعارضة وحدها، بل أغضب شركاء إردوغان من الجماعة التي كانت تضع اللمسات الأخيرة على مشروع تصفية الحسابات مع المؤسسة العسكرية.

ومن شأن مساعي إردوغان لاستمالة الجيش، سواء آتت أكلها أم لم تؤت، أن تطرح تساؤلات مثيرة، ليس فقط بشأن مستقبل إردوغان السياسي، الذي كان قد أبدى استعداده للخروج من المشهد السياسي إذا ما خسر حزبه الانتخابات البلدية التي جرت أخيرا،، وإنما –أيضا- بخصوص احتمالات عودة الجيش إلى الحياة السياسية مجددا، بعد أن أكد مطلع اندلاع أزمة الفساد الأخيرة التزامه الحياد والنأي بالنفس عن الانخراط في السياسة. ذلك أن إخفاقه في استبقاء إردوغان عبر الآليات الديمقراطية ربما يغري بعض قيادات العسكر بالتفكير في استرجاع زمن الانقلابات واستعادة نفوذهم السياسي متذرعين هذه المرة بالحفاظ على إنجازات حكومة العدالة والتنمية، وإنقاذ البلاد من شبح الفوضى وسط محيط إقليمي غاية في الاضطراب، فيما قد يفضي نجاح العسكر في دعم إردوغان وحزبه ومساعدتهما على البقاء في سدة السلطة إلى جعل الجيش قوة احتكام بين الفرقاء السياسيين المتنافسين توطئة للعودة، بمرور الوقت وتطور الأحداث، إلى سابق عهده كسلطة حاكمة ولو من خلف الستار.

امتعاض العسكر

تثير أجواء التذمر والامتعاض التي تسود دوائر عديدة داخل المؤسسة العسكرية التركية أسئلة عديدة، فيما يخص استمرار تقبلها للوضع الراهن. فلقد تملكت عدداً من الضباط متوسطي الرتب العسكرية وأسرهم حالةٌ من الغضب والاستياء من جراء الإمعان في إذلال بعض القيادات العسكرية، من خلال المحاكمات والزج بهم في غياهب السجون على خلفية التورط في قضيتي "أرجنيكون" و"المطرقة". وبالتوازي، انطلقت وقفات ومسيرات للتنديد بتلك المحاكمات، كان من أبرزها تلك التي رفعت صورة العقيد في سلاح البحرية مراد أوز ألب، الذي يعد من أكثر القيادات في الجيش التركي كفاءة، وسُجن لاتهامه بالمشاركة في التخطيط لانقلاب عسكري وتفجير مساجد بإسطنبول عام 2003، وتوفي قهراً في سجنه، أثناء تلقيه أول زيارة لعائلته بعد تثبيت حكم بسجنه (16) سنة، ليغدو رمزاً لحملة اجتماعية تطالب بإعادة الاعتبار للضباط المحكوم عليهم في قضية مخطط "المطرقة" الانقلابي، وإعادة محاكمتهم بشكل عادل.