تركيا أردوغان: قاعدة للإخوان وممر للجهاديين

كيف لدولة كبرى توافق قيام إمارة داعش على حدودها؟

عقد مؤتمر الإخوان في لاهور الباكستانية في سبتمبر (أيلول) 2013، اجتماعاً تضمن قيادات في تنظيمات الإخوان المسلمين في دول مختلفة، بعيدا عن الأضواء بهدف وضع خطط العمل لمواجهة ما أصاب التنظيم في مصر. المؤتمر تابع توصيات مؤتمر إسطنبول في يوليو (تموز) 2013 الذي أوصى بالاستعانة بعدد من رجال الدين "المقبولين" شعبيا للتعبئة بين مؤيديهم ضد السلطات في مصر، وكذلك إبراز "وجوه معتدلة" في الإعلام والمحافل العامة. كذلك استمرار الاحتجاجات التي تستهدف تعطيل الحياة العامة في مصر، خاصة في العاصمة القاهرة والمدن الرئيسة الأخرى، لإرباك الحكومة الانتقالية وتشتيت جهودها وتوفير مادة للإعلام المتعاطف مع الإخوان للترويج لتدهور الأوضاع في مصر.

إن اختيار باكستان هو من أجل إجراء الاتصالات مع قيادات القاعدة من التنظيم المركزي، والتي ما زال البعض منها في أفغانستان وباكستان ولم تلتحق –بعد- بسيناء، كما هو مخطط في سياسة القاعدة، باتخاذ سيناء بديلا لأفغانستان. وبعض قيادات الإخوان التي حضرت الاجتماع هي: محمود أحمد الإبياري (الأمين العام المساعد في التنظيم العالمي)، وإبراهيم منير مصطفى (أمين التنظيم العالمي من لندن)، ومحمد نزال (من حماس). تلعب تركيا دوراً محوريا في إدارة تنظيم جماعة الإخوان المركزي، واستقبلت بعض قياداته من قطر ومن مصر، وكأنها تعيد تنظيم الجماعة بعد أن واجهت الكثير من التراجع في مصر ودول أخرى.

معسكرات جهادية

كشفت اعترافات بعض مقاتلي "الدولة الإسلامية" أن تنظيم "الدولة الإسلامية" أقام في منطقة حدودية بين سوريا وتركيا، مخيماً لتدريب الانتحاريين. ويقول أحد الموقوفين الفرنسيين إنه كان في هذا المخيم وشاهد مجموعات يتلقون التدريب والخبرات العسكرية لإرسالهم إلى لبنان ومناطق أخرى. وكشفت المعلومات –أيضا- عن إنشاء معسكرات تدريب لعناصر القاعدة والسلفية من الأتراك، وممن يسمون بالمجاهدين العرب في منطقة وزيرستان الواقعة شمال باكستان، ليتم إرسالهم إلى سوريا بعد إتمامهم فترة التدريب هناك. وإن المئات من "الجهاديين" يتم الإبقاء عليهم في بيوت آمنة بجنوب تركيا قبل تهريبهم عبر الحدود إلى سوريا. وكالات استخبارات إقليمية قريبة من حكومة إردوغان كشفت –أيضا- عن دور تركيا في أن تكون نقطة عبور للجهاديين من أوروبا وسوريا وبالعكس.

نجح تنظيم القاعدة في تأسيس أول قواعده في تركيا، العضو في حلف الناتو. وإن أفرع تنظيم القاعدة في سوريا أسست بالفعل منشآت ومعسكرات تدريب على الأراضي التركية للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا. وحددت المصادر المعلوماتية ثلاثة مواقع تحتوي على معسكرات التدريب والتجنيد للجهاديين في تركيا. الموقع الأول يوجد في مدينة "كرمان" التي تقع وسط الأناضول بالقرب من إسطانبول، والثاني في مدينة "أوزمانيا" الاستراتيجية بالقرب من القاعدة العسكرية التركية- الأمريكية المشتركة في عدنان ومنطقة وسط آسيا إلى ميناء "سيهان" التركي على البحر المتوسط، بينما يقع الثالث في مدينة "سان ليلورفا أورفا" جنوب غرب تركيا.

تركيا بوابة الجهاديين

وفي إطار التوصل إلى حلّ مشترك للتعامل مع تهديد "الجهاديين" الذين يسافرون إلى سوريا بهدف القتال، سبق أن دعت بلجيكيا خلال عام 2014 إلى عدة اجتماعات، أولها كان في مايو (أيار) 2014 يدعو فيه الدول الأوروبية التسع المعنية بملف "الجهاديين" الأجانب في سوريا وبحضور ممثلين عن الولايات المتحدة وتركيا وتونس والمغرب والأردن، وفي هذا السياق، أفادت الداخلية البلجيكية، بأنّ التعامل مع ملف العائدين من المقاتلين في سوريا، يشكل أحد أهم المشاغل الحالية، مشيرة إلى أنّ وجود مرتكز لتنظيم القاعدة على أبواب أوروبا (أي تركيا) يعتبر مشكلة جديدة طرحها النزاع في سوريا .

وصرح مسؤولون أتراك بأن حياة بومدين (شريكة كوليبالي) الذي اقتحم المتجر اليهودي شرق باريس، بالتزامن مع عملية شارلي إبيدو في 7 يناير (كانون الثاني) 2015، كانت في تركيا قبل خمسة أيام من الحادث. ونقلت وكالة أنباء الأناضول عن وزير الخارجية: مولود جاويش أوغلو قوله في مقابلة: "إن بومدين وصلت إلى إسطنبول قادمة من مدريد في الثاني من يناير (كانون الثاني) 2015، ولم تتلق تركيا أي طلب من باريس بمنع دخولها". وأضاف: "توجد صورة لها في المطار، بعد ذلك أقامت مع شخص آخر في فندق، وعبرت إلى سوريا في الثامن من يناير (كانون الثاني) 2015، نستطيع قول ذلك بناء على تسجيلات هاتفية".

هل "داعش" تمثل تهديداً لتركيا؟

هنالك سؤال يثير الاهتمام: هل تنظيم "الدولة الإسلامية" يمثل تهديداً لتركيا إن لم يكن في هذه المرحلة، فربما في المرحلة القادمة؟ الإجابة عن هذا السؤال: إن تركيا تعتبر من الدول العميقة في المنطقة وتملك مؤسسة عسكرية واستخباراتية، وهذا يعني أن الاستخبارات التركية تمسك –ربما- ببعض قيادات التنظيم، وتدخل معه باتفاقات اقتصادية، منها بيع النفط من تركيا والعراق، وتدفق المقاتلين عبر الحدود، وإقامة معسكرات تدريبية، بالإضافة إلى اعتبار تركيا بالنسبة إلى "داعش"، ملاذاً ومحطة عبور، من خلالها يتمكن التنظيم من إدارة شبكة من الشركات والعملاء وغسيل الأموال، لتكون تركيا بوابة التنظيم -أيضا- إلى العالم. أما مدى استمرارية هذه التوافقات والاتفاقات ما بين التنظيم، فهو يعتمد على متغيرات المصالح بين الطرفين. إن تنظيم "داعش" يعتبر تنظيماً غير منضبط، أي لا تحكمه قواعد سياسية وأيديولوجية، لكن على الرغم من ذلك، فهو يحاول أن يطرح نفسه بأنه مؤسسة عسكرية أيديولوجية، وذات حكومة وقيادة مركزية.

وأكد وزير الخارجية التركي أوغلو، أن عدد المواطنين الأتراك في صفوف تنظيم "داعش"، يتراوح ما بين (500-700) شخص، وذلك وفقا للبيانات المتوافرة لدى الوزارة. وأضاف: إن تركيا تتخذ الإجراءات والتدابير الأمنية كافة لتأمين الحدود الجنوبية، إلا أن طول الحدود الممتدة لنحو (911) كيلومتراً لا يمكن مراقبتها تماما، إذ يعرف المهربون والمتسللون الكثير من الطرق والدروب السرية على الحدود التركية- السورية. على الرغم من أن التقارير ذكرت وجود أكثر من (3000) مقاتل "جهادي" تركي في سوريا والعراق.

دور العسكر والاستخبارات:

"العسكر يحمي الدستور.. والدستور يحمي العسكر" صيغة يمكنها أن تعبِّر عن العلاقة الأبوية بين كلا الطرفين: "العسكر والدستور" على مدار تاريخ الجمهورية التركية. كان في عقيدة الضابط العثماني أن الجيش هو الأب الشرعي للدستور، وورث الضابط الجمهوري عقيدة الضابط العثماني؛ إذ إن العسكر هم من أسسوا تركيا الحديثة ونظامها الجمهوري، وهم كذلك من وضعوا دساتيرها إلى الآن، بداية من دستور 1924، ثم دستور 1961، وانتهاءً بالدستور الحالي 1982. وعلى الجانب الآخر، فإن المؤسسة العسكرية كانت تدرك –تمامًا- أن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يُعَد سحبًا لسلطاتها السياسية كافة ولقوتها الاقتصادية الخاصة، ويعني –أيضًا- إعادة تنظيم وضعيتها الدستورية وفق المعايير الأوروبية.

أزمة جهاديين عائدين:

إن سياسة تركيا إردوغان من حيث تعاملها -إن لم يكن تورطها- مع تنظيم "داعش" على امتداد حدودها مع سوريا والعراق، تجعل المزاج العام للشارع التركي يتقبل "الجهاديين" الأتراك العائدين من القتال في سوريا، فلم تشهد الأراضي التركية عمليات انتحارية أو داعشية. وعلى الرغم من أن حكومة إردوغان واجهت بعض التظاهرات، لكن الأحداث لم تسجل أي تجمع أو نشاط معارض للسلفية "الجهادية". التقارير الاستخباراتية قدرت أن "الجهاديين" الأتراك وصل عددهم إلى ما يقارب ثلاثة آلاف مقاتل يتوزعون ما بين "داعش" و"النصرة"، هذا العدد ربما لا توجد عنده أزمة علاقة مع الحكومة التركية، بسبب مرونة الحركة والتنقل عبر الحدود مع سوريا والعراق. إن جغرافية تركيا وموقعها لعبا –أيضا- دوراً بخفض معاناة "الجهاديين" الأتراك، نسبة إلى الجماعات الأخرى العابرة للقارات والحدود.

قالت أنجيلا ميركل (المستشارة الألمانية) في مؤتمر صحفي عقدته مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، من مدينة برلين، في معرض حديثها عن تنظيم "داعش" الإرهابي: إن تركيا تمثل محطة ترانزيت للعناصر الإرهابية التي تدخل سوريا وتحارب في صفوف تنظيم "داعش".

قادة عسكريون يقاتلون مع داعش:

إن دور الاستخبارات يظهر إلى جانب العسكر خلال فترة الحروب والصراعات، وإن دولة عميقة مثل تركيا، بالتأكيد لا تترك أن يكون هنالك نشاط لتنظيمات وجماعات "جهادية" دون أن يكون لها دور في إدارة هذا الصراع ميدانيا على مستوى الجيش، ومعلوماتيا على صعيد الاستخبارات. إن تنظيم "الدولة الإسلامية" -أصلا- نشأ في العراق على أساس كونه حلقة عسكرية استخباراتية مغلقة، وقام على خبرات عسكرية مؤدلجة. كشفت هيكلية تنظيم "داعش" أن قيادات التنظيم أغلبها من ضباط النظام السابق في العراق ما قبل 2003، أبرزهم الحاج بكر الذي كان يعتبر القائد العسكري الفعلي للتنظيم، والذي قتل في سوريا عام 2014، وأبو مسلم التركماني الذي يعتبر الشخص الثاني في التنظيم، والذي قتل –أيضا- في العراق 2014، وإبراهيم البيلاوي (المسؤول الاستخباراتي للتنظيم والمشرف على أمن أبي بكر البغدادي)، وهذا يعني أن هذه الجماعة لديها معرفة وخبرة في إدارة العلاقات العامة مع أطراف وشخصيات عسكرية تتطلبها مصلحة التنظيم، فهي لديها الإمكانات في قراءة تقدير الموقف مع الطرف التركي، يساعدها في إيجاد علاقة التفاهم والتعاون المشترك.