ترقب لحكم قضية اغتيال الحريري.. لبنان دفع الثمن

باستثناء مصطفى بدرالدين، القائد العسكري السابق لحزب الله والذي قتل في سوريا عام 2016، تقتصر المعلومات عن المتهمين الأربعة الآخرين المشاركين في عملية اغتيال الحريري على ما قدمته المحكمة الدولية ولا يُعرف شيء عن مكان تواجدهم حالياً.


المحكمة الدولية كلفت منذ تأسيسها 600 مليون دولار دفع لبنان جزءاً منها


حزب الله ينفي الاتهامات ويرفض تسليم المتهمين للمحكمة


اغتيال الحريري شكل ضربة كبيرة للبنان الذي تنخره الانقسامات الطائفية والسياسية


المحكمة تعتمد أساساً على تسجيلات هواتف خلوية للمتهمين

بيروت - تصدر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يوم الجمعة السابع من آب/أغسطس الجاري حكمها في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، في تفجير ضخم بسيارة مفخخة هز بيروت في فبراير 2005.

وبعد مرور 15 عاماً على اغتيال الحريري في وسط بيروت، لا يزال اللبنانيون يتذكرون تفاصيل ذلك اليوم الذي كان صادما وغيّر مسار البلد الصغير.

حصل التفجير الذي أودى برئيس الحكومة الأسبق الذي لم يكن في السلطة في حينه، و21 شخصا آخرين، في يوم عيد الحب، في 14 شباط/فبراير 2005.

كان موكب الحريري عائدا من مقر مجلس النواب في ساحة النجمة في وسط بيروت، عندما دوى انفجار ضخم استهدفه لدى وصوله قبالة فندق سان جورج على الطريق الساحلي. بعد دقائق، كانت شاشات التلفزة تنقل مباشرة صور سيارات مشتعلة، بينما تسبّب تطاير الركام في تحطيم زجاج نوافذ في دائرة قطرها نحو نصف كيلومتر.

عمّت الفوضى والذعر لوقت قصير، قبل أن تعلن وسائل الإعلام أن المستهدف هو الحريري.

بحسب المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تولت التحقيق في الجريمة، فجّر انتحاري يقود شاحنة فان بيضاء من طراز ميتسوبيشي ما يعادل طنين من مواد شديدة الانفجار عند الساعة 12:55 ظهراً، بعد جزء من الثانية من مرور السيارة الثالثة في الموكب وهي من طراز مرسيدس "إس600" كان الحريري يقودها بنفسه.

سمعت بيروت بأكملها أو شعرت بالانفجار الضخم. ظنّ كثيرون أن زلزالاً ضرب المدينة فيما أحدث الانفجار حفرة بعرض عشرة أمتار وعمق مترين في المكان الذي أقيم فيه في ما بعد نصبا تذكاريا للحريري.

كانت الصدمة كبيرة، إزاء العملية التي قتلت رفيق الحريري، رجل ارتبط اسمه بشكل وثيق بلبنان وبمرحلة إعادة الاعمار ما بعد الحرب الأهلية (1975-1990) وبشبكة علاقات دولية نسجها ووظفها لصالح بلده.

كان الانفجار قويا إلى درجة تمّ العثور على إحدى الجثث بعد 17 يوماً نظراً لحجم الدمار الكبير الذي خلفه التفجير متسبباً أيضا بإصابة 226 شخصاً بجروح.

أصابع الاتهام توجه لسوريا

جاء اغتيال الحريري في فترة بالغة الحساسية في لبنان، وفي خضم توتر لم يكن ظاهرا كثيرا للعلن، بين الحريري ودمشق التي كانت تتحكم بمفاصل الحياة السياسية في لبنان، وتنشر جيشها فيه منذ حوالى 30 سنة.

كان الحريري يومها يستعد لخوض انتخابات نيابية، ويقترب من الانخراط في جبهة معارضة لدمشق.

في مطلع شهر شباط/فبراير، كان الحريري تلقى مناشدة من صديقه الرئيس الفرنسي حينها جاك شيراك، بوجوب التزام الحذر، وبعدها بأيام من مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط تيري رود لارسن في الإطار نفسه.

بي
الصدمة التي يعيش لبنان اثارها إلى اليوم

سبق اغتيال الحريري محاولة اغتيال صديقه الوزير السابق مروان حمادة في تشرين الأول/أكتوبر 2004، في ما اعتبر رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى فريق الحريري.

بعد 15 عاماً من انتهاء الحرب الأهلية، شكّل اغتيال الحريري ضربة كبيرة للبلد الصغير الذي تنخره الانقسامات الطائفية والسياسية، وغالباً ما ترتبط قواه السياسية بدول خارجية.

بعد ساعات على حصول التفجير، تفقد سعد الحريري، نجل رفيق الحريري الذي كان بعيدا في ذلك الوقت عن العمل السياسي، مكان التفجير، وسألته وسيلة إعلام أجنبية إن كان يعرف من يقف وراء اغتيال والده، فأجاب "الأمر واضح، لا؟". ووجهت أصابع الاتهام، على ألسنة سياسيين وأحزاب، إلى دمشق.

ونزلت أعداد ضخمة من اللبنانيين إلى الشارع تحتج على الاغتيال وتتهم سوريا به. حصلت نقمة أسقطت على الفور الحكومة القريبة من دمشق برئاسة عمر كرامي. وهتف المتظاهرون في وسط بيروت "سوريا اطلعي برّا".

في 14 آذار/مارس 2005، نزل مئات الآلاف إلى الشارع. كان يوما تاريخيا لعب دورا حاسما في خروج القوات السورية من لبنان في نيسان/أبريل.

لكن في غضون ذلك، كان حزب الله، حليف دمشق، دعا إلى "يوم وفاء" لسوريا في الثامن من آذار/مارس شارك فيها أيضا مئات الآلاف.

وانقسم لبنان بعد ذلك لسنوات طويلة بين "قوى 14 آذار" المناهضة لسوريا و"قوى 8 آذار" المؤيدة لها، وفُتحت صفحة جديدة في تاريخ لبنان أخرجت دمشق من المشهد السياسي المباشر في البلاد.

وتوجه التحقيق الدولي أولا نحو سوريا، لكن ما لبث أن توقف عن ذكر دمشق، ووجّه الاتهام إلى عناصر في حزب الله، بالتخطيط وتنفيذ الاغتيال.

وتمكن حزب الله، القوة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بترسانة سلاح في لبنان إلى جانب القوى الأمنية الشرعية، من ملء الفراغ الذي خلفه غياب دمشق سياسياً وتحوّل رويداً رويدا إلى قوة أساسية تتحكم بمسار الحياة السياسية في البلاد.

حزب الله: نفي وتستر 

ومنذ تأسيس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي وجهت الاتهام إلى خمسة عناصر في حزب الله، أعلنت الجماعة الشيعية أنها لا تعترف بها وتعدها "مسيّسة" نافية الاتهامات الموجهة إليها ورفضت تسليم المتهمين.

وباستثناء مصطفى بدرالدين، القائد العسكري السابق لحزب الله والذي قتل في سوريا عام 2016، تقتصر المعلومات عن المتهمين الأربعة الآخرين على ما قدمته المحكمة الدولية. ولا يُعرف شيء عن مكان تواجدهم حالياً.

ويعد بدرالدين المتهم الرئيسي و"العقل المدبر" لجريمة اغتيال الحريري. وجاء في مذكرة توقيفه أنه "خطط للجريمة وأشرف على تنفيذها". وفي أيار/مايو 2016، أعلن حزب الله مقتله قرب مطار دمشق عن عمر يناهز 55 عاماً.

وفي تموز/يوليو من العام نفسه، أعلنت المحكمة الدولية التوقف عن ملاحقته بعدما تأكدت من مقتله.

وانضم بدرالدين إلى صفوف حزب الله بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. وانخرط في تنفيذ هجمات عدة، طال أبرزها في العام 1983 السفارتين الفرنسية والأميركية في الكويت حيث اعتقلته السلطات هناك.

fd
منفّذ الجريمة يرفض تسليم القتلة

وبالإضافة إلى بدرالدن تتهم المحكمة سليم عياش (56 عاماً)، الذي قالت إنه مسؤول عسكري في حزب الله، بقيادة العملية. وجاء في مذكرة توقيفه أنه "المسؤول عن الخلية التي نفذت عملية الاغتيال وشارك شخصياً في التنفيذ".

كما تتضمن لائحة الاتهامات حسين عنيسي (46 عاماً) وأسد صبرا (43 عاماً) لـ"التدخل في جريمة ارتكاب عمل إرهابي باستعمال أداة متفجرة" و"التدخل في جريمة قتل رفيق الحريري عمداً باستعمال مواد متفجرة"، حسب صفحة المحكمة الدولية.

في آذار/مارس 2018، رفضت المحكمة طلباً بتبرئة عنيسي بعدما قال محاموه إن الادعاء لم يقدم أدلة كافية لإدانته.

كما قررت المحكمة الدولية ملاحقة حسن حبيب مرعي (54 عاماً) عام 2013، وضمت في شباط/فبراير 2014 قضيته إلى قضية المتهمين الآخرين.

ترقب وشكوك

وبعد نحو 13 عاماً على تأسيسها بموجب مرسوم صادر عن الأمم المتحدة، تنطق المحكمة بحكمها غيابياً بحق المتهمين الأربعة المنتمون إلى حزب الله، في قضية غيرت وجه لبنان.

وتُعد هذه المحكمة الدولية، التي من المفترض أن تُطبق القانون الجنائي اللبناني، بحسب موقعها الإلكتروني، “الأولى من نوعها في تناول الإرهاب كجريمة قائمة بذاتها”.

وكلفت منذ تأسيسها 600 مليون دولار، دفع لبنان الغارق في أزمة اقتصادية، جزءاً منها.

وبعد كل هذه السنوات، تدور شكوك حيال مصداقية المحكمة مع رفض حزب الله تسليم المتهمين ونتيجة اعتمادها بشكل شبه تام على تسجيلات هواتف خلوية.

وفي موقع الاغتيال، توجد اليوم شعلة معدنية تشكل نصبا تذكاريا للحريري، بينما لا تزال آثار التفجير قائمة على واجهات بعض الأبنية. على بعد أمتار، يتوسط تمثال لرفيق الحريري ساحة صغيرة تحمل اسمه.

f
جريمة هزت لبنان وعمقت الانقسامات