ترانسفير لبناني

بقلم: حسن عبيد عيسى

الترانسفير هو الطرد الجماعي للسكان من ديارهم الى خارج مناطق سكنهم، وتلك فكرة خطط لها قادة الصهيونية تقضي بترحيل كافة ابناء الشعب الفلسطيني من ديارهم وطردهم، ربما الى الاردن، ووضعوا التفاصيل الخاصة بالتنفيذ الى حد باتت تلك الخطط مهيأة للتنفيذ عند حلول أول فرصة. وعندما شغل أرييل شارون منصب رئيس الوزراء، فان تلك الخطط كانت في مقدمة أولوياته، وانه اختار الجنرال رحبعام زئيفي وزيرا للسياحة (قتله رجال المقاومة عام 2001) وهو أحد كبار دعاة التطبيق الفوري للترانسفير.
وفي وقت ما من عهد شارون، وعندما كانت انتفاضة الاقصى على اشدها، سُرِّبت انباء مفادها ان الحكومة الاسرائيلية تدرس تلك الخطط وانها بصدد تهيأة الشاحنات اللازمة لتنفيذها. الا ان الظرف العالمي لم يكن يساعد على وضع تلك الخطط العنصرية موضع التنفيذ، فوضع ملفها على سطح المكتب بانتظار تهيئة الظرف الملائم.
اليوم وقد تبدلت الظروف، وصار يترتب لاسرائيل من حقوق ما لم تكن الصهيونية ذاتها تحلم به من قبل، والدليل على ذلك ان عمل المقاومة اللبنانية المتمثل بأسر جنديين اسرائيليين عُدّ مغامرة وعملا طائشا وان اللوم والشجب والاستنكار انصب على قيادة تلك المقاومة من قبل القادة العرب قبل غيرهم، وبوجود قرار دولي يهدف الى تجريد تلك المقاومة من سلاحها، وان التباطؤ والتلكؤ في تنفيذ بنود ذلك القرار بات يزعج اسرائيل وأمريكا، وانه لو كان القرار قد نفذ كما أرادت الجهات الصائغة له لما غامرت المقاومة بذلك العمل الطائش المدان من قبل القيادات العربية.
كل ذلك قدم فرصة ملائمة لوزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني لأن تضيف شرطا جديدا الى شروط رئيسها أولمرت لوقف العدوان الجائر والعنيف على لبنان، متمثلا بترحيل عناصر حزب الله خارج منطقة سكناهم في الجنوب اللبناني وهو شرط غريب، أغرب من الخيال كون اعضاء هذا الحزب هم ابناء الجنوب وسكانه. ولكنه وبلا شك، سيجد من التبرير ما يجعله مطلبا عادلا وضروريا لضمان أمن واستقرار اسرائيل ضد المغامرات والطيش الذي بات يهدد أمن اسرائيل والمنطقة جمعاء.
واذا ما عدنا الى تصريحات سابقة لهذه الوزيرة والتي هي بالاساس خبيرة بالقانون ووزيرة للعدل قبل أن تشتغل بالدبلوماسية عقب اقصاء سلفها سلفان شالوم الذي آثر الابقاء على ليكوديَّته والتخلي عن منصب وزير الخارجية، فسنجد انها صرحت في مقابلة تلفزيونية أجرتها معها قناة "أي بي سي" الأميركية وبثت يوم 11 ابريل 2006 قائلة "إن من يقاتل جنودا إسرائيليين هو عدو وسنقاتله، إلا أنني اعتقد إن من يستهدف جنديا لا يصنف إرهابيا" وطالبت بمواجهة "الشرعية التي يعطيها المجتمع الدولي للإرهابيين" لذا فهي تدعو إلى "القيام بكل ما هو ممكن لمنع الإرهابيين من الحصول على الشرعية".
والمقاومة اللبنانية انما هي انشأت اساساً بهدف تحرير الاراضي اللبنانية المحتلة، والتي عجز مجلس الامن عن تحريرها بقراراته التي لاتقيم لها اسرائيل وزنا، الى أن نجحت تلك المقاومة فيما عجزت الجيوش النظامية العربية التي تستنزف مواردا هائلة وتُعْتَمَد لها ميزانيات ضخمة عن تحقيقه، فحررت الجنوب المحتل..ولكن بؤرة منه ظلت رازحة تحت الاحتلال تلكم هي مزارع شبعا.
فمبرر وجود المقاومة من وجهة النظر التي اعطتها شرعية في تحرير الجنوب مازال قائما ببقاء بعض اجزاء البلاد تحت نير الاحتلال..وان تلك المقاومة التي هي في حالة حرب مع اسرائيل أسرت جنديين خلال معركة عسكرية بين افرادها والجنود الاسرائيليين، وبلا شك فان أية معركة لابد أن يسقط فيها قتلى وجرحى وربما يؤسر فيها بعض جنود الطرفين.. فهي معركة وليست مزاحا.
الآن وقد وضعت خبيرة القانون ليفني هذا الشرط لوقف قتل الاطفال والنساء من اللبنانيين وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها ومسح قرى من على الخرائط ..وان المعركة مع المقاومة الفلسطينية وخاصة في قطاع غزة لسبب مماثل (أسر جندي اسرائيلي) ما زالت قائمة، فهل ان هذا الشرط اذا ما وجد قبولا بهدف تنفيذه في جنوب لبنان، سيجد طريقه الى التنفيذ في الساحة الفلسطينية فتشترط ليفني اخراج عناصر المقاومة ومن يقف بصفهم الى خارج أراضيهم وديارهم حتى توافق السيدة الوزيرة على العودة الى طاولة المفاوضات؟
فهي تشترط اخراج أفراد المقاومة اللبنانية من ديارهم، وأفراد تلك المقاومة ومن سكان بلد مجاور، وهم اصحاب الاراضي الزراعية والدور والمصالح هناك، وانهم مرتبطون بأسر وعوائل، وان الالة العسكرية الاسرائيلية شرعت بالتنفيذ العملي لذلك الشرط من خلال تدمير كافة القرى التي يقطنها الجنوبيون، وربما لن تسمح باعادة بناء ما هدمت ثانية أو عودة أهل تلك القرى حتى ولو قرروا السكن في خيام..ما يعني تغيرا سكانيا خطيرا للمنطقة، فما بالك بعناصر المقاومة التي تضعها أمريكا والاتحاد الاوربي على قائمة الارهاب..وانهم يزعجون اسرائيل ويعرقلون المفاوضات ويعيقون التوصل الى سلام شامل؟
الامر هنا سيكون مختلفا، واشتراطه أسهل من اشتراط ترحيل عناصرالمقاومة اللبنانية، ولكن عندما تكون البداية مع البعيد (اللبنانيون)، والاصعب ممكنة، فان النتيجة ستكون مضمونة واسهل مع القريب الذي بمتناول اليد..فلايحتاج الامر حينئذ الى غير تهيأة الشاحنات، والشروع بترحيل المزعجين من الضفة الخالية من السلاح أولا، ولتكن غزة أخيرا هذه المرة..
ان شرط ترحيل رجال المقاومة اللبنانية عن الجنوب شرط مدروس بعناية، وهو قد يتعكز على قرار الامم المتحدة ذي الرقم 1559، ولو حدث ذلك، ولربما يحدث بمباركة أمريكية على شكل قرار جديد يرتكب مجلس الامن جريمة صدوره ويتحمل ما يترتب على ذلك من مسؤولية، فسيشكل سابقة جديدة ذات طابع كارثي مرعب ليس في لبنان وفلسطين وحدهما، وانما سيتكرر الترانسفير حيثما أرادت قوى الضغط المتنفذة والمهيمنة على الامم المتحدة تنفيذه.
فان الامم المتحدة في حال تحقق المسعى الاسرائيلي ذاك، ستكون أداة لتخريب الاوطان واحداث التغيرات السكانية المفروضة وجلب الكوارث، وجعل ذلك الترحيل وسيلة بيد هواة الحروب وذوي النزعات الشاذة التي تتشفى بعذابات الشعوب المظلومة.
هذا ما يجب الانتباه اليه والاستعداد للتصدي الحازم والجرئ لأي افكار قد تطرح من أجل بلورته أو محاولة فرضه كواقع، ولا ننس فان الافكار الجهنمية قد تقدم باساليب لاتخلو من تبرير وربما لطافة ولباقة أحيانا، بهدف اقناع آخرين بها بهدف تكثير حشد الموافقين، وبعد ذلك يتم التكشير عن الانياب. حسن عبيد عيسى
كاتب عراقي