تدنيس المقدس وتقديس المدنس

أقدمت أسبوعية "شارل إيبدو" الفرنسية الأربعاء الماضي على نشر غلاف آخر من أغلفتها المثيرة لقلق العالم الإسلامي في السنوات الماضية، في أول إصدار لها بعد العملية التي أودت بعدد كبير من طاقم تحريرها في الأسبوع الماضي. الغلاف الجديد الذي فجر مزيدا من الحنق في العالم الإسلامي يمثل رسما كاريكاتوريا لشخص يحمل لافتة عليها عبارة "أنا شارلي". في الأعداد الماضية التي نشر فيها مثل ذلك الرسم كانت الجريدة تقصد السخرية بنبي الإسلام، عليه الصلاة والسلام؛ ومع أن لا أحد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أن أخذه الله إلى جواره، عدا من لاح لهم في رؤاهم، فإن ذلك الرسم تحول إلى أيقونة بصرية ترمز إلى متخيل، مثل الأيقونات المجسدة التي اعتاد النصارى أن يروا فيها السيد المسيح عليه السلام كلما ظهرت لهم.

من المفروض أن قضية تلك الرسوم تطرح قضيتين أساسيتين، يعيش الغرب فيهما مفارقة مثيرة، وخاصة جزء كبير من نخبته، وهما أخلاقيات المهنة من ناحية، وشرعية حقوق الإنسان من ناحية ثانية. تعتبر الإساءة إلى شخص في أعراف الصحافة، كنشر خبر كاذب عنه أو رسم ساخر أو صورة في وضع مخل بالآداب ويدخل في باب الحياة الخاصة، جريمة يعاقب عليها القانون في البلدان الديمقراطية التي تتوفر على ترسانة قانونية مناسبة. من الناحية النظرية هذا أمر موجود، ولكنه عمليا غير مطبق في مثل هذه الحالات، تماما كما هو الأمر مع مبدأ حرية التعبير والرأي، فهو نظريا متاح، ولكن عمليا غير مسموح به تجاه بعض الموضوعات، مثل التعرض إلى دولة إسرائيل مثلا.

بيد أن الصحافة الفرنسية، ومعها جزء كبير من الصحافة الأوروبية، لم تثر هذا الجانب في مناقشتها لجريمة القتل التي نفذها متطرفون محسوبون على تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي يجد في اليمن منصته. فالأمر، في تلك الرسوم، لم يكن إساءة موجهة إلى فرد بعينه، ولكن إلى دين بكامله ينتمي إليه مئات الملايين من البشر، يتحلقون حول نبي لهم؛ وهو، من حيث اندراجه في العمل الصحافي، يعد تعديا على أخلاقيات المهنة. صحيح أن الكاريكاتير اكتسب موقعه كفن حديث، وبدخوله إلى الصحافة أصبح جنسا صحافيا، إلا أن المسألة تثار في نقطة الالتقاء بين ذلك الجنس الصحفي وبين المضمون السياسي أو الديني الذي يمنح له، وعند هذا الالتقاء تثار أخلاقيات المهنة.

المفارقة في مضمار حقوق الإنسان أكثر إثارة من سابقتها، فالتشريعات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان لا تعتبر الإساءة إلى المقدسات خرقا لحقوق الإنسان، ومن ثمة لا تضع ضوابط لمثل هذه الممارسات التي يمكن أن تتعرض بالإهانة لديانة من الديانات أو لأفراد معينين بسبب انتماءاتهم الدينية، بل هي تعنى خاصة بحماية حق الأفراد في الرأي والتعبير بشكل عام خارج أي قيد، ما عدا القيود التي تنص عليها القوانين المحلية.

سبب هذا الفراغ في المنظومة الدولية حول حقوق الإنسان، فيما يتعلق بحماية المقدسات الدينية وتجريم المساس بها، يعود إلى الظروف التاريخية التي صيغت فيها تلك المواثيق الدولية الخاصة بالحقوق الإنسانية، إذ المعروف أن تلك المواثيق وضعت في سياقات الحروب الدينية التي شهدتها القارة الأوروبية منذ القرن الثامن عشر، والتي ذهب ضحيتها الملايين من البشر، بسبب التطاحن بين الملل والنحل المسيحية من جهة، وبين الكنيسة والدولة من جهة ثانية. لقد كانت قضية التجديف أكبر القضايا التي أثارت سخط الأوروبيين، بالنظر إلى الجرائم التي نفذتها الكنيسة في حق الآلاف وربما الملايين بسبب تهمة التجديف في المسيح أو في الكنيسة أو في الأناجيل، ولذلك اهتمت المواثيق الدولية بدرجة أساسية بحماية حق المواطنين في إبداء آرائهم في المقدس، أي حقهم في التجديف، بكل اختصار. ومعنى ذلك أن تلك المواثيق انتصرت لحرية المواطن المدني على حساب المواطن المتدين داخل أوروبا، وهو ما يزال يثير صراعات حتى اليوم بين أتباع المسيحية وأتباع العلمانية، بدليل الجدل الديني والسياسي الذي يحصل في بعض المناسبات، كتصوير أفلام سينمائية تمثل الأنبياء أو إصدار دراسات أو روايات تحاول إعادة تركيب تاريخ المسيح والمسيحية، حيث يثار الجدل كل مرة عن الحق في حرية التعبير في مقابل الواجب في احترام المقدس.

يمكننا أن نلاحظ أن هناك في العقل الباطن للشخصية الأوروبية شعورا قويا بالمركزية؛ لقد تم إلغاء مبدأ اعتبار التجديف جريمة دينية، كما كانت في عصر الكنيسة، ولم يتم إدراجها في قائمة الجرائم السياسية، في عصر الدولة المدنية، ولكن ما حصل كان إجماعا داخل أوروبا وفي عقر دار المسيحية، وهو أمر لا يعني أتباع الديانات الأخرى، ولكن الثقافة الأوروبية الحديثة تعتبر أن ما تم الحسم فيه بالنسبة للمسيحية واليهودية حُسم بالتبعية بالنسبة للديانات الأخرى، وهو خطأ معرفي ناتج عن شعور بالتفوق الحضاري على الآخرين، مفاده أن ما هو صالح لأوروبا صالح للآخرين بالضرورة.