تدخل حزب الله في سوريا يجعل من مراكزه في لبنان هدفاً لثوار سوريا

لا يمكن ان يمر يوم واحد دون ان يطلق حزب الله موقفاً معادياً لثورة الشعب السوري، واخر مؤيد لما يقوم به نظام الأسد من جرائم حرب. لا يوفر حزب الله مناسبة دون ان يشرح لنا رؤيته للوضع في سوريا وتصوره لمستقبلها القائم على استمرار الأسد وفريقه في السلطة، ويعلن في الوقت عينه دعمه لعمليات كتائب الأسد.

إذا كان حزب الله يظهر مدى اهتمامه بمتظاهري البحرين وقادتهم حيث ينظم لهم اللقاءات والاتصالات والاعتصامات في لبنان ويستدرج التصريحات المؤيدة لهم من قبل بعض التابعين مع الحرص على ان يكونوا من الطائفة السنية لأن فكره مذهبي وسلوكه طائفي فيسعى لتغليفه بمواقف من شخصيات تنتمي لطوائف أخرى، إلا انه في المقابل يتجاهل تماماً الوضع الصعب للنازحين السوريين إلى لبنان وأسباب نزوحهم والمسؤول عن هذا النزوح، ويغض الطرف عما يطلقه ميشال عون وصهره الوزير جبران باسيل من مواقف معادية للشعب السوري ودول الخليج والمملكة العربية السعودية، ضارباً عرض الحائط بالشعارات التي يطلقها عن الوحدة الإسلامية وضرورة وأد الفتنة والانتباه ممن يريد دفعنا للوقوع فيها. إلى جانب ان تورط حزب الله في سوريا يخدم مشروع الفتنة وأدواتها.

مع ذلك نقرأ "فيما يخص الحديث عن وجود مقاتلين لحزب الله في سوريا، فقد لفت الشيخ نعيم قاسم الى وجود مجموعة قرى في سورية قرب الهرمل، لكن السكان فيها لبنانيون، وهؤلاء هم سنّة وشيعة ومسيحيون، ولكن الغلبة من حيث العدد شيعية ويصل تعدادهم تقريبا الى حوالي 30 ألف مواطن، عندها وجدنا من واجبنا كحزب الله أن نساعد هؤلاء بالتدريب والتسليح، وهذا ما فعلناه وأعلناه أمام الرأي العام، نحن لا نعتبر أن هذا الامر تدخل في الشأن السوري، واذا كان البعض يعتبر أن هذا الأمر مستنكر، نقول ان هذا الأمر أقل من الطبيعي، بل نحن نسد فراغا وثغرة لم تستطع الدولة أن تقوم بها لحماية مواطنيها الموجودين في الاراضي السورية."

هذا التصريح اعتراف واضح وصريح بتدخل حزب الله في الشأن السوري، سواء تم تبريره بالقول أنه يهدف لمساعدة مواطنين لبنانيين في سوريا أو لحماية قرى لبنانية تقع في الداخل السوري او مواطنين لبنانيين يعيشون في قرى سورية.

خطورة ما قاله قاسم تفيد بأمرين:

- إن حزب الله معني بدعم وحماية ورعاية أبناء الطائفة الشيعية في سوريا سواء كانوا لبنانيين او سوريين وهذا يدل على نهجه وفكره وسلوكه المذهبي والطائفي الذي لا يقيم وزناً ولا قيمة لحياة وارواح وكرامة سائر المواطنين باستثناء من هم من تابعيه مذهبياً. وهذا معناه انه لا يؤمن بالمواطنة ولا بالروح الوطنية، بل يعتبر المذهب والدين هو الأساس في بناء علاقاته وتأسيس تحالفاته وتقديم دعمه. فهو لم يتحدث عن انهم مناصريه بل ذكر فقط انتماءهم المذهبي. وهنا لا بد من الإشارة إلى قتلى حزب الله الذين يتم تشييعهم سراً ودون إعلام باستثناء القادة منهم، بما يفيد زج أبناء الطائفة عموماً في معركة حزب الله السياسية ومشروعه التوسعي وتنفيذ رغبة الراعي الإيراني.

- إن تسليح وتدريب مجموعات على أسس طائفية ومذهبية سواء في سوريا او في لبنان يلقي الضوء لنا على ماهية وأسباب وخلفية تأييد حزب الله وإيران للحوثيين في اليمن ومساعدة متظاهري البحرين الذي ينتمون لطائفة معينة وموقف أحد أركان حزب الله الذي أشار في إحدى افتتاحياته المنشورة إلى ان الثورة الحقيقية في العالم العربي هي تجري حالياً في منطقة القطيف السعودية وليس في سوريا. وأن سلاح حزب الله وخبرته القتالية هي في خدمة كل من يتحالف مع إيران ويعتنق مشروعها في أي بلدٍ كان. وأن لبنان ساحة لتبادل الخبرات وتأمين التدريب ومنصة لإطلاق المواقف الإعلامية والسياسية. وإرسال العناصر المسلحة.

إن خطورة ما يقوم به حزب الله لا يقف عند الانخراط في شأن سوري داخلي ولا يتوقف عند المساعدة والتدريب فقط. بل يعني ان حكومة لبنان التي يرأسها نجيب ميقاتي والتي أعلنت الالتزام بسياسة "النأي بالنفس" لا تستطيع المحافظة او حتى الالتزام الجدي بهذا الموقف المعلن. وخطاب وزير خارجية هذه الحكومة (عدنان منصور) في القاهرة يؤشر إلى طبيعة مسار هذه الحكومة وسياساتها المذهبية الطاغية على فكر من يقودها. وعلى أثر ما جرى من سجال في مجلس الوزراء اللبناني الذي انعقد عقب عودة منصور من القاهرة، (فقد دخل النائب محمد رعد ووزراء حركة "أمل" ونوابها كما ورد في بعض الصحافة المحلية على الخط مطالبين بتقديم وسام شرف الى وزير الخارجية). وهنا لا بد من الإشارة إلى أن موقف نبيه بري مطابق ويتطابق، ومتماثل بل متماه، مع حزب الله لأنه يغرف من البئر نفسه. من يراهن على اعتدال بري ومواقفه الموضوعية واستغلاله لأي فرصة للخروج من تحت سقف التبعية لحزب الله وإيران وسوريا فهو مخطئ وواهم. ويعتبر بعض المراقبين أن ما نشر في صحيفتي النهار والسفير من تهديد سياسي واضح للحكومة ورئيسها والذي جاء على لسان مرجع رفيع المستوى في إشارة إلى بري كما قال البعض من المراقبين الذي ذكر على لسانه: "وتبقى الرسالة الموجهة والرد من القطب على ميقاتي: مهلاً دولة الرئيس، من ركَّب هذه الحكومة هو الذي يقيلها ومن قال ان حزب الله يتمسك بها أو يرفض التخلي عنها، وتذكّر أن كرامتنا أكبر من كل الحقائب الوزارية والمناصب ومن له اذنان فليسمع جيداً، والكلام المعبّر للنائب رعد كان باسم قوى 8 آذار مجتمعة".هذا معناه ان موقف بري متطابق مع حزب الله وان موقف منصور في القاهرة من الشأن السوري يتناغم مع مفهوم بري وحزب الله للكرامة.

لكن يبقى ان خطورة ما يقوم به حزب الله وبري في سوريا امنياً ودبلوماسياً، هو زج لبنان في الشأن السوري، ودفع لبنان ليكون في موكب المعادين للشعب السوري ولطائفة أساسية في سوريا كما هم تماماً ضدها في اماكن اخرى ودول اخرى، كما أشرنا سابقاً، وهذا جداً خطير وقد يدفع بالثوار السوريين كما أشاروا مراراً وتكراراً من باب التحذير والتنبيه والتلميح بدايةً، بأن صبرهم قد ينفد وانهم قد يقومون بالرد على ما يقوم به حزب الله في سوريا، ولكن في الداخل اللبناني. لذا السؤال هو هل ستصل الأمور إلى حد الرد على حزب الله في لبنان؟ ومن يتحمل حينها تداعيات ازمة من هذا النوع مع وجود ما يقارب من نصف مليون سوري في لبنان وينتمون لكافة الطوائف والتوجهات السياسية؟ ومن يستطيع ضبط هذا الحشد ومن بمقدوره أن يستوعب الغضب الشعبي السوري، الآن ولاحقاً؟ ولماذا يسعى حزب الله لاستدراج الثوار السوريين إلى لبنان؟ وهل وصلت العنجهية بقادة حزب الله إلى مرحلة الظن بأنهم قوة لا تقهر، وبأن بإمكانهم الاساءة لمن يريدون وكيف يريدون؟ وإذا كان حزب الله يريد الانخراط في هذا الصراع فلماذا يريد زج الطائفة الشيعية برمتها في صراعه وذلك حين يعلن أنه يدعم مواطنين شيعة في سوريا ولكن أصلهم لبناني، بينما كان بإمكانه ان يقول انه يدعم مؤيدين للنظام في مواجهة معارضين؟ ولكن يبدو ان تفعيل التوتر المذهبي والديني في لبنان والمنطقة مطلوب للمقايضة على بقاء الأسد مقابل استقرار لبنان. وحزب الله هو أداة لشحن هذه المشاعر وأخر تصريح للشيخ نعيم قاسم قال فيه تأكيداً لرؤيته المذهبية: "اعتبر نعيم قاسم نائب أمين عام حزب الله اللبناني، أن الأزمة في سوريا ليست بالسياسية فقط؛ و«إنما هي أزمة وجود. فهناك العلويون والشيعة والمسيحيون والدروز، ويوجد قطاع كبير من السنة الذين ليسوا سلفيين ولا يسيرون معهم، ويوجد صوفيون وعلمانيون»".

إذاً فالخوف كل الخوف من ان يشعر ثوار سوريا بأن الحل الوحيد اماهم للرد على استفزازات وتدخل حزب الله في الشأن السوري هو في استهداف مواقع ومكاتب حزب الله والقوى التابعة له والمتورطة إلى جانبه في سوريا أيضاً سواء امنياً او سياسياً وهي المنتشرة في مناطق نفوذ حزب الله. فهل هذا هو المطلوب ومن يتحمل عواقب صراع من هذا النوع.وهل يستطيع لبنان ان يدفع فاتورة باهظة بهذا الحجم، تؤدي إلى تفكك نسيجه الوطني وتناحر مكوناته. وأخر محاولة استدراج لثوار سوريا للدخول إلى لبنان كان تصريح لافت لأحد مؤيدي نظام سوريا وحزب الله في لبنان رفعت عيد قال فيه أن "العلوي مُستهدف من قبل السني"، مهدداً "بأننا لن نكون وحدنا فنحن لسنا في موقع الضعيف، ونستطيع أن ندافع عن أنفسنا انطلاقا من قناعاتنا بأننا أبناء هذا البلد وجزء من تركيبته ولا يستطيع احد أن يلغينا لمجرد موقفنا السياسي أو انتمائنا المذهبي وأضاف. سنجعلكم تنسون جبل محسن في حال فكر احد بعد اليوم أن يعتدي علينا. وطرابلس قد تتحول إلى مدينة مدمرة مثل حمص." ومع ذلك لم يتحرك ولم يلتفت أحد من الرسميين والمؤسسات التي يفترض بها ان تتحرك إلى خطورة هذا التصريح الطائفي لا من حيث المضمون ولا من حيث الأهداف والارتباط، فقط لأن رفعت عيد حليف حزب الله.