تحولات الشعرية العربية.. لصلاح فضل

بقلم: أحمد فضل شبلول

لأن الشعر هو الذي يحمل جينات الروح العربي الوراثية، وهو الذي يجدد اللغة ويضمن لها البقاء، ولأن اللغة هي بنك الذكاء القومي، والشعر في نهاية الأمر هو جوهر الفنون، ولابد أن يتوهج بازدهارها، فقد عكف الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل على جمع مقالاته التي نشرت في الصحف والمجلات المتنوعة ـ عن الشعرية العربية، في أبرز تجلياتها وتحولاتها المختلفة، وصدرت في كتاب مؤخرا عن سلسلة مكتبة الأسرة 2002 بعنوان "تحولات الشعرية العربية".
وتبدأ هذه التحولات منذ ارتحالات شوقي المبكرة ما بين الإخبارية والإيحائية، معتمدا على عدد من التقنيات الشعرية الفعالة لتوليد الدلالة عبر تجانس التراكيب ومفارقات الصياغة وآليات التكرار والتصوير وطرائق الاشتقاق والتجسيد، وهو ما أشبع الحس الجمالي لقارئه وأرضى توقعاته الموضوعية والفنية.
أما تحولات منتصف القرن، فتبدأ من ضمير الأنثى في شعر نزار قباني ومديح النساء، حيث تنتشر ظاهرة التمثيل الأنثوي المباشر في شعر نزار، والتي تبلغ ذروتها في ديوان "يوميات امرأة لا مبالية".
ومن ثم يبزر السؤال التالي: إلى أي حد استطاع نزار قباني أن يتمثل موقف المرأة خالصا، ويعبر عن وجهة نظرها كاملة في لفتات الشعور وخبابا العواطف؟. وفي رأي ناقدنا، فإن نزار قباني تصدى بجسارة فائقة لأداء رسالة تاريخية هي التعبير عن المسكوت عنه، والتصريح بضمير الأنثى العربية والبوح بمواجدها والتمثيل الدقيق لخباياها.
وقد حاول أن يجمع بين وضعين عسيرين في آن واحد: الشعر، والتعبير عن لضمير المكنون للمرأة. لقد مدح نزار النساء وهجاهن، انتقل بهن من التعشق الواله إلى الامتهان الفاضح، لكن محبوبة فريدة ظلت إلهة وحيه وقبلة صلاته، هي القصيدة الشعرية الكبرى التي كتبها بآلاف الأوضاع، ومن مختلف الزوايا، فكشف بها عن جوهر إبداعه وحقيقة إنجازه الجمالي الفاتن.
ومن ضمير الأنثى في شعر نزار إلى استراتيجية الخطاب الشعري عند خليل حاوي، حيث تكوير الشعر وهندسة الجمل من خلال الصور النحوية والبطانة الفلسفية، مرورا بشعرية الوطن عند عبد الوهاب البياتي، من خلال عراقه، وبغداده، والتمهل عند شعرية الشاعر الكويتي محمد الفايز، حيث يقر ناقدنا أن ديوان "مذكرات بحار" للفايز لو كان صدر في أحد المراكز العربية (في الشام أو العراق أو مصر) لأصبح موازيا لمطالع السياب ونزار والبياتي وعبد الصبور والفيتوري، ولو أتيح له أن ينمي اتجاهه الأقرب إلى الملحمة منه إلى القصيدة الغنائية أو الدرامية، لبلغ شأنا بعيدا يفوق نظراءه من الشعراء العرب المعاصرين.
ثم يتوقف الناقد عند الخطاب القومي في الشعر الأردني المعاصر، من خلال تجارب عبد الرحيم عمر، وعز الدين المناصرة، وإبراهيم نصر الله. فالأول يكمن سر السحر الشعري لديه في البساطة العفوية الأسرة. والثاني يجيد القصيدة المطولة والتوقيعة الموجزة، ويعرف كيف يسكب رحيق تجربته في كلا الإطارين دون تعسف أو إسراف. والثالث قادر على خلق وقائع شعرية جديدة، وعلى صنع متخيل متميز.
أما شعرية حسن عبد الله القرشي (عاشق النيل) فتزخر بالأصالة وما يثيره شعره من أسئلة نقدية عن تجاور الأشكال الشعرية، وما يشبعه من حس قومي عروبي متجذر، على الرغم من إيمان الناقد أن قصيدة التفعيلة هي التي تمثل الوسط الذهبي الحامل لرسالة الروح، والقادر على تشكيل الموروث العربي الجيد.
ومن السعودية إلى اليمن حيث التوقف عند التحولات الشعرية الراهنة لدى عبد العزيز المقالح من خلال كتاب صنعاء، ففي هذا الكتاب ينتقل المقالح بخطاب المدينة إلى أفق لم يشهده من قبل، عبر مسلك تقني مدهش يعتمد على حوارية منتظمة في إيقاع جميع القصائد، بين التفعيلة المازجة بين المتقارب والمتدارك من ناحية، والجملة المتحررة من الوزن المألوف، وإن كانت مفعمة بكسر التفاعيل من ناحية ثانية.
أما كمال نشأت فيتيح لنا فرصة جميلة لاستجلاء صفحة رائقة من الشعرية العربية في شبابها الفتي، ونسقها الغنائي المفقود في وعثاء الحداثة الضاربة بأطنابها في مشهد اليوم. ويذهب ناقدنا إلى أن امتلاء حروف كمال نشأت بالنغم الجميل وارتواء الكلمات بالمعنى النبيل، يرشحان أشعاره كي تكون منبعا للطرب ومادة للغناء.
ومن العالم الشعري لمحمد إبراهيم أبو سنة يختار ناقدنا ديوان "شجر الكلام"، ويصفه بأنه ديوان طازج، تتجلى فيه نكهة سنوات النضج في تجربة الحياة، ومذاق خبرة اللغة المعتقة، وهي تستقطر من نبع الإبداع العربي رحيقها المصفى، فتطرح على ذاكرة القارئ أطياف التعبير وأصوات الماضي، وقد صار مفعما بالحضور الراهن.
وعودة إلى إبراهيم نصر الله واكتشاف شعرية الحياة من خلال ديوانه "باسم الأم والابن"، حيث تظل تجربة السيرة الشعرية للفرد/الوطن فتحا هاما في الشعرية العربية المحدثة؛ تكتشف جماليات الوجود المأساوي للإنسان الفلسطيني وتحفر دربا عميقا في مسار الإبداع العربي المعاصر.
ويبشر ناقدنا بشاعر جديد يراهن عليه، ليصبح شاعر مصر الأول، ما لم تختطفه حوريات الغواية وشياطين الضياع، هو أحمد بخيت. أما الألوان عندما ترتعد بشراهة، فلا بد أن يكون وراء ارتعادها شريف الشافعي، الذي كتب نصا ضخما يستغرق ما يربو على ألف صفحة، يفتك فيه بالتوزيع القديم، أو يتجاهله ببساطة، دون أن يؤسس لنفسه توزيعا مقطعيا جديدا للنص المتطاول، مما يتحدى صبر أي قارئ على الاستمرار والمتابعة.
وتحت عنوان "شعرية فرسان الثغر" يتوقف الناقد عند عدد من أبرز الشعراء وأكثرهم خصوبة وثراء في الفضاء الإبداعي للثغر المصري. وهؤلاء الشعراء هم: فوزي خضر، وأحمد فضل شبلول، وصلاح اللقاني، وفوزي عيسى. أما فوزي خضر فقد تماهى بشكل بديع مع تقاليد الفروسية النبيلة في الثقافة العربية عندما تمثل صوت الجواد الذي يحدث نفسه ويخاطب محبيه ويجسد انكسارات روحه وانتصارات نضاله في صورة متوهجة متلاحقة، من خلال ديوانه "من سيرة الجواد المعاند". أما ديوان "الطائر والشباك المفتوح" لأحمد فضل شبلول فيقدم نموذجا دالا لشعره وإشارات كاشفة عن عالمه، حيث الإسكندرية بالنسبة له ليست مجرد مكان للميلاد أو الإقامة، ولكنها وعاء روحه وجسد شعره ومجلى حياته، وحين يأخذ في تعداد مفردات "الثغر" والإمساك بملامحه يصبح شعره أكثر طلاقة وأقل تعثرا، فلغته بحرية، ومعجمه اسكندري بحت وبيت شعره الأساسي هو ما تبنيه عروس البحر بين أمواج الإيقاع.
أما صلاح اللقاني، فيتسم ديوانه "تاسوعات" بطابع تجريبي مغرق في توظيفه للأساطير والموروثات القديمة. وفي تعليقه على ديوانه "ضل من غوى وسر من رأي" يقول ناقدنا: مازلت لا أفهم جيدا لماذا يتخلى الشعراء المتمكنون من توظيف الأبنية الموسيقية في التعبير القوي عن تجاربهم، عن هذا الشكل ويعمدون إلى تعطيل طاقاتهم قصدا فيقطعون بقصد حبال التواصل الممتع مع جمهرة القراء وهم قادرون عليه.
أما فوزي عيسى فإن وضوح الهدف التعبيري لديه وإيثاره لعمليات التواصل والفهم يجعلان شعريته من ذلك النوع الذي يشبع القارئ المتوسط دون أن يثير فضول القارئ المثقف المتطلع إلى أفق جديد مفعم بتوتر التجارب المحدثة.
ومن الإسكندرية إلى الكويت، والوقوف إلى جانب عالية شعيب وليلى العثمان، حيث صدر حكم من محكمة كويتية ضد الكاتبتين يعد أول سابقة من نوعها في الثقافة العربية الحديثة في مقاضاة الفكر الإبداعي للمرأة وتجريم الخطاب الأدبي المتمثل في الشعر والقصة.
وقضية مشابهة مع الشاعر الفلسطيني/الأردني موسى حوامدة في ديوانه "شجري أعلى".

بهذا الكتاب "تحولات الشعرية العربية" (256 صفحة) يكون ناقدنا د. صلاح فضل، قد أسهم في رسم خارطة للتحولات الشعرية العربية، وخاصة في النصف الأخير من القرن العشرين، هذا القرن الذي شهد العصر الذهبي الثاني للشعر العربي، بعد العصر العباسي، غير أن نهايته شهدت ضياع أهم معلمين بارزين في الشعرية العربية، وهما: الموسيقى والدلالة، بحيث أصبحت نسبة كبيرة مما يكتب باسم الشعر هذه الأيام تضرب في غياهب من عماءين: عماء الإيقاع وعماء المعنى، وهو ما لا يغري أحدا بقراءتها سوى كتابها، ويترك المسافة فارغة بين الشعر والجمهور. ولابد لحركة إبداعية ونقدية عارمة من تنظيم هذا الطوفان وحفر أخاديده وحصر تياراته وإبراز مستوياته المختلفة وأشكاله المتعددة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية