تحليل: هل ينجو عرفات من حصاره الرابع؟

غزة
الناجي.. دائما

فجرت اقوال رئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون الخميس حول تصفية الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ردود فعل غاضبة في الشارع الفلسطيني، الذي لا يمر يوم دون ان يعلن فيه الفلسطينيون تأييدهم المطلق لرئيسهم من خلال مسيرات وخيم اعتصام ومظاهرات غاضبة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وكان شارون قد أعرب في تصريحاته عن أسفه لعدم قيام القوات الاسرائيلية "بتصفية" عرفات جسديا إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
ويقول سالم ابو جمعة (34 عاما)، الذي يجلس مع العشرات من الفلسطينيين منذ ايام في خيمة للاعتصام نصبت امام مقر الامم المتحدة في غزة للمطالبة بفك الحصار عن عرفات، "انهم يريدون ان يتنازل عن مواقفه ويبيع القدس واللاجئين ..!؟"
ويخشى الكثير من الفلسطينيين ان تؤثر الازمة الراهنة التي يمر بها زعيمهم التاريخي – الذي لا يزال محاصرا في مكتبه بمدينة رام الله في الضفة الغربية منذ تسعة اسابيع بالدبابات الاسرائيلية – على معنوياته ووضعه الصحي وربما على استمرار صموده.
ويخضع عرفات (72 عاما) لما يشبه الاقامة الجبرية التي فرضها عليه غريمه اللدود شارون للضغط عليه لاعتقال أعضاء في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بتهمة اغتيال وزير السياحة الاسرائيلي رحبعام زئيفي في اغسطس/اب الماضي.
وتعيد عملية حصار عرفات في رام الله الى الاذهان اكثر من ثلاثين عاما من كفاح عرفات في المنافي عندما تعرض للمطاردة والحصار لاشهر وأسابيع طويلة نجى منها باعجوبة بعد ان كان قاب قوسين او ادنى من ان يعتقل او يقتل على يد الاسرائيليين او خصومه من العرب.
وكان عرفات قد حوصر لاشهر في ضواحي العاصمة الاردنية عمان اواخر الستينات بعد ان اصدر الملك الاردني الراحل الحسين بن طلال، طبقا للفلسطينيين، امرا بقتله في اعقاب تصاعد حدة التوتر بين المقاومة الفلسطينية والجيش الاردني في عمان العاصمة خلال وجود المقاومة الفلسطينية في الاردن في الفترة من عام 1967 وحتى عام 1971.
وحسب مقربين من عرفات فقد تخفى عرفات بلباس امرأة ورافق عدد من القادة العرب على رأسهم الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري الذي ترأس وفدا من الشخصيات العربية التي زارت العاصمة الاردنية للتوسط بين حكومة بين الملك حسين لمنعه من اعتقال عرفات.
وفوجئ الاردنيون والعرب عندما ظهر عرفات في القاهرة، بعد ايام من زيارة الوفد العربي في القاهرة، وهو يصافح الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر قبيل انعقاد القمة العربية التي تم فيها التوصل إلى مصالحة بين الفلسطينيين والاردنيين نتج عنها خروج المقاومة الفلسطينية من الاردن الى بيروت.
وكان عرفات الذي ولد في القدس في 1929 من اسرة عريقة في المدينة هي عائلة الحسيني قد التحق بالضباط الاحتياط للجيش المصري وقاتل في صفوفه منذ حرب السويس عام 1965 قبل ان يتخرج مهندساً من جامعة فؤاد الأول في القاهرة. وتولى رئاسة اتحاد طلاب فلسطين في اواخر الخمسينات قبل ان يؤسس مع رفاقه من المناضلين الفلسطينيين حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وأصبح الناطق الرسمي لها في عام 1968.
ولا ينسى عرفات ثمانين يوما قضاها في حصار عسكري وتجويعي مع مقاتليه في بيروت في صيف 1982 بعد معركة قاسية خاضها هناك ضد الاجتياح الاسرائيلي للبنان، عندما كان غريمه شارون وزيرا للدفاع في ذلك الوقت وقائدا للحملة العسكرية الاسرائيلية في لبنان.
وبعد تدخل دولي ضغط فيه الامريكيون بشده على الحكومة الاسرائيلية وقاده المبعوث الدولي آنذاك فيليب حبيب خرج عرفات ومقاتليه الى البحر ومنه الى اليونان فتونس.
وتقول المراجع التاريخية ان عرفات كان في مرمى نيران شارون في وقت من الاوقات، وهي الفرصة التي فوتها شارون نفسه عندما اختار ان يستشير قيادته التي اخبرته انها قطعت وعدا بعدم قتله لادارة رونالد ريجان الاميركية شرط خروجه من بيروت، بعد تدخل مصر والاردن والسعودية في ذلك الحين.
وعاد عرفات الى طرابلس في عام 1983 ليقع في حصار جديد أسوأ من سابقيه من السوريين بعد ان وقع الخلاف بين المقاومة الفلسطينية والرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، حيث اكد مرافقين لعرفات انه نجا من عدة محاولات اغتيال في تلك الفترة.
ورغم بقاء الوضع متوترا حتى اليوم بين الفلسطينيين والسوريين الا ان عرفات استفاد من حصار طرابلس بترميم علاقته مع القاهرة، التي بذلت جهودا مضنية لاقناع السوريين بفك الحصار عن عرفات ومقاتليه الذين خرجوا الى مصر ومنها الى تونس.
ويرى مراقبون ان الحصار الذي يخضع له عرفات منذ نحو شهرين في مقره في رام الله هو الاصعب بالمقارنة مع التجارب السابقة، خاصة ان مرونة عرفات في المرات السابقة كانت كبيرة بحكم الموقف والجغرافيا. فالتنازل عن بيروت او الاردن كمكان للمقاومة الفلسطينية هو بالتأكيد اسهل كثيرا من التنازل عن القدس او اللاجئين.
كما ان التراجع عن جبهة النهر او في غور الاردن او من جنوب لبنان كان اهون على عرفات من المقامرة الان من ترك الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد عام ونصف من انتفاضة تجاوز عدد القتلى والجرحى الفلسطينيون فيها الاربعين الف شخص وبعد ان باتت الدولة الفلسطينية "على مرمى حجر" حسب مقولته الشهيرة.
ويرى الشارع الفلسطيني ان ما يحاصر عرفات هذه المرة هو تمسكه بموقف فلسطيني مبدئي رفض المقايضة عليه في كامب ديفيد الثانية. ويعكس أحد الفلسطينيين رأي الكثيرين في قوله إن "ما يزيد من مرارة الحصار ذلك الصمت والعجز العربي والاسلامي الذي حاصر عرفات هذه المرة، رغم انه كان طوق النجاة له ولمقاتليه في المرات الثلاث السابقة".