تحليل: هل قتل حبيقة لمنع شهادته عن صبرا وشاتيلا، أم عن الحرب اللبنانية؟

بيروت - من محمد سلام
حبيقة مع جعجع وقت ان كانا من امراء الحرب اللبنانية

هل قتل الياس حبيقة لمنعه من الشهادة في مجزرة صبرا وشاتيلا، أم لانه تعهد فتح قبر الحرب الاهلية اللبنانية وتقديم رواية مغايرة عنها؟
السؤال تردد في حلقات تداول المعلومات في لبنان، على كثرتها، مع دوي الانفجار القوي الذي مزق سيارة حبيقة وقذف جثته الممزقة لمسافة نحو 50 مترا، وحول رأسه إلى شبه مربع يبلغ طول ضلعه قرابة 35 سنتيمترا.
وقياسا على ما سبق من نتائج غالبية التحقيقات في عشرات عمليات الاغتيال المشابهة في لبنان على مدى ثلاثة عقود، يستبعد أن يؤدي التحقيق الرسمي في تصفية حبيقة -التي استهدفت أيضا الامن اللبناني على أعتاب انعقاد القمة العربية في بيروت بعد شهرين-إلى إجابات نهائية عن هوية الجهة المنفذة.
أما دافع القتل، فإن التصريحات الرسمية وضعت إسرائيل في مرتبة المستفيد الاول منها، ولا سيما رئيس وزرائها آرييل شارون، الذي يواجه القضاء البلجيكي بتهمة الضلوع في مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا التي ذهب ضحيتها 900 مدني فلسطيني ولبناني في بيروت قبل 20 عاما، والتي كانت إسرائيل قد اتهمت حبيقة بتنفيذها عندما كان مسؤولا عن ميليشيا القوات اللبنانية، المحظورة الآن.
حبيقة، الخصم الرئيسي لشارون في القضية المقامة أمام القضاء البلجيكي منذ شهر حزيران/يونيو الماضي، كان قد تقدم طوعا للشهادة أمام المحكمة، قائلا إنه سيثبت براءته وبراءة الميليشيا المسيحية التي كان يتزعمها من التهمة التي لاحقتها على مدى عقدين.
ولكن حلقات تداول المعلومات في بيروت، والتي تضم مراقبين محايدين ودبلوماسيين عرب وأجانب، تشير إلى أن حبيقة، الوزير والنائب السابق وأمير الحرب اللبناني ورجل المخابرات المميز، كان قد أطلق تهديدا خطيرا في مؤتمره الصحافي الذي عقده في نقابة محرري الصحافة اللبنانية في بيروت في السادس من تموز/يوليو الماضي عندما تطوع للشهادة أمام القضاء البلجيكي ضد شارون.
قال حبيقة في المؤتمر الصحفي بالنص "أتعهد خوض مواجهة أشمل في إطار كشف كل وقائع الحرب في لبنان وكل حقائقها ما أن تنتهي قضية صبرا وشاتيلا .."
وأضاف حبيقة "بعد أن أظهر براءتي في مسألة صبرا وشاتيلا، سألجأ بدوري إلى القضاء البلجيكي أو إلى أي مرجع قضائي دولي صالح، ليس لمقاضاة كل من ارتكب جريمة في حق لبنان وشعبه وإنسانه، بل لكشف أدوار كل هؤلاء، وأنا العارف بالكثير من الخفايا والتفاصيل. ولتصويب الرواية التاريخية المنقوصة التي يتم عرضها عن حرب لبنان .. كل الوثائق والاثباتات متوافرة لدي لتصحيح الصورة الخاطئة التي يجري تقديمها عن حرب لبنان".
حبيقة، يقول دبلوماسي غربي، "لم يحصر خصومته بشارون، ولم يحصر همه بجلاء براءته من تهمه ألصقت به. أراد إعادة كتابة التاريخ، الذي يكتبه عادة المنتصرون في الحرب، رغم أنه كان مهزوما".
حبيقة خرج من الحرب اللبنانية التي توقفت في تشرين الاول/أكتوبر، من العام 1990 منتصرا. رغم أنه لم يكن سوى قائد لفريق مسيحي ثانوي، مختلف مع طائفته وقواها السياسية، فإنه كان حليف سوريا، راعية السياسة اللبنانية، والقوة الفعلية التي أوصلته إلى المجلس النيابي بالتعيين أولا في العام 1991 ثم بالانتخاب في العامين 1992 و 1996.
السلطة التشريعية لم تكن محطة حبيقة الوحيد في سلم الارتقاء، فقد عين وزيرا للمهجرين، وللموارد المائية والكهربائية، وللشؤون الاجتماعية. وأسس حزبا سياسيا أطلق عليه الحزب الوطني الديموقراطي العلماني (وعد)، وكان الخصم الذي لا يقهر لكل من خاصموه.
لكن حبيقة، الذي كانت قدرته على دفن الاسرار من أبرز أسباب تصاعده في هرم السلطة اللبنانية المحكومة من سوريا بعد الحرب الاهلية، تعرض لسقوط أولي عندما ضربه أحد مرافقيه السابقين في صلب قوته.
روبير حاتم، المعروف بكوبرا، المتخاصم مع سيده السابق، كشف جزءا من أسرار حبيقة المفترضة في كتاب انكب على إعداده في العاصمة الفرنسية باريس اعتبارا من العام .
رغم أن كوبرا استهدف أساسا أسرار الحياة الشخصية المزعومة لحبيقة، إلا أنه أضاف أيضا مجزرة صبرا وشاتيلا التي اتهمه بالاشراف عليها مباشرة، من أرض المذبحة، بحضور شارون.
حبيقة نفى تهم كوبرا كلها، الشخصية كما تلك المتعلقة بمجزرة صبرا وشاتيلا، واعتبرها محاولة إسرائيلية للنيل منه كونه انتقل من تحالفه معها بداية الحرب اللبنانية العام 1975 إلى معسكر خصمها الاقليمي الابرز، سوريا، أواخر العام 1984 وبقي فيه.
ولكن رغم نفي حبيقة، بدأ السوس الذي نفثه كوبرا ينخر هيكل قوة الرجل اللغز وكاتم الاسرار. مني بهزيمة موجعة في الانتخابات النيابية صيف العام 2000 فسقط وكل حلفائه. واستبعد عن أي منصب رسمي منذ ذلك الوقت.
ويعتبر الدبلوماسي الغربي أن "مدلولات هزيمة حبيقة في صناديق الاقتراع كانت أكثر من مجرد تغير مزاج الناخبين، كما يحدث في الديموقراطيات الغربية. فالامور في لبنان ليست على هذا المثال".
ويبدو أن حبيقة، الذي استطاع كتم غيظ المهزوم خلف ستار ابتسامته الحديدية، فشل في الحفاظ على سلامة حبل حياته: أسراره. فقد هدد في مؤتمره الصحافي قبل أكثر من ستة أشهر بكشف ما اعتبره الرواية الحقيقية للحرب اللبنانية.
فهل يكون حبيقة قد سقط في قبر الحرب اللبنانية، وهو يحاول فتح غطائه، علما أنه عقد اجتماعين سريين في وقت سابق من هذا الشهر مع بعثة قضائية بلجيكية، كشف خلالهما، من ضمن الاسرار، ان حياته مهددة؟