تحليل: هل تغيب مبارك وعبدالله لتفادي إحراج حجب خطاب عرفات؟

بيروت - من محمد سلام
عرفات غير مرحب به في بيروت.. رغم انه غادرها منذ عام 1983

أجاب دبلوماسي عربي رفيع عن سؤال حول سبب حجب البث الفضائي المباشر لخطاب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من مقره المحاصر في رام الله إلى القمة العربية الملتئمة في فندق فينيسيا في بيروت، بالرد "أما زلت تسأل لماذا اعتذر الرئيس مبارك والملك عبدالله عن (عدم) المشاركة في قمة بيروت؟"
وكان الرئيس المصري حسني مبارك قد اعتذر عن عدم المشاركة في القمة، وأعلن اعتذاره فيما كان ممثله، رئيس الوزراء عاطف عبيد، قد شارف على الوصول إلى مطار بيروت.
والعاهل الاردني الملك عبدالله الثاني، الذي كان يفترض أن يسلم رئاسة القمة إلى نظيره اللبناني إميل لحود، تغيب عن الحضور قبيل افتتاح الجلسة الاولى، وانتدب رئيس وزرائه علي أبو الراغب لرئاسة وفد المملكة، وتسليم رئاسة القمة الدورية إلى لحود.
وبذلك ارتفع إلى 13 عدد الزعماء العرب الذين اعتذروا عن عدم حضور قمة بيروت التي شارك فيها ملكا المغرب والبحرين، إضافة إلى رؤساء لبنان وسوريا واليمن والصومال وجيبوتي وتونس والجزائر.
وعرفات، الذي عزا عدم تمكنه من المشاركة إلى الحصار الذي تفرضه عليه قوات رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون، كان يفترض أن يخاطب الجلسة الاولى من مقره في رام الله عبر البث التلفزيوني الفضائي بواسطة القمر الصناعي العربي عربسات. لكن رئيس القمة لحود رفع الجلسة الصباحية الاولى من دون أن يظهر عرفات.
ولحود أعلن في الجلسة المسائية، التي تأخر انعقادها 90 دقيقة بسبب غضب الوفد الفلسطيني احتجاجا على حجب خطاب رئيسه، أن القمة حريصة على إسماع كلمة عرفات إلى أشقائه، وسيبث تسجيل لها في وقت لاحق. وتمنى على الوفد الفلسطيني تفهم الاسباب التقنية التي حالت دون البث المباشر، وهي الحرص على عدم حصول اختراق إسرائيلي للبث ما يمكن أن يؤدي، مثلا، إلى ظهور شارون على شاشة القمة.
إلا أن الناطق باسم القمة، وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، كان قد أعلن للصحفيين أن لحود التزم "تسلسل" أسماء طالبي الكلام، الذي اعترض عليه عرفات، طالبا إلقاء كلمته في بداية الجلسة، بعد أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى.
بغض النظر عن التفسير الرسمي اللبناني لما حصل، أكان تقنيا أم تسلسليا، والاعتراض الفلسطيني عليه، إلا أن تغييب صورة عرفات وصوته من قاعة المؤتمر عزز قناعة لدى المتابعين بأن الرئيس الفلسطيني ما زال غير مرحب به في لبنان، الذي طردته منه سوريا، في عام 1983 بعد تسعة شهور على انسحابه من العاصمة اللبنانية بحماية غربية بفعل الحصار الاسرائيلي.
ويمكن، بسهولة تقصي موقع عرفات والسلطة الفلسطينية في قمة بيروت: كلمة لحود التي جاءت في ثلاث صفحات مطبوعة واستغرق إلقاؤها قرابة 15 دقيقة لم تأت على ذكر عرفات، ولا السلطة الفلسطينية، علما أنها خصت الشعب الفلسطيني والانتفاضة بمحطات لافتة، بلغت خمس للشعب وست للانتفاضة. حصة عرفات وسلطته من خطاب لحود كانت صفرا.
ويعتقد بعض المراقبين أنه ليس من قبيل المصادفة أن تكون كلمة الرئيس السوري الدكتور بشار الاسد، التي جمعت بين النص المكتوب والارتجال واستغرق إلقاؤها زهاء 45 دقيقة، قد خلت أيضا من أي إشارة إلى الرئيس الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، علما أنها تضمنت اقتراحا بإصدار طابع تذكاري عن الانتفاضة يعود ريعه إلى الانتفاضة "وتحدد الالية لاحقا".
ويتساءل المراقبون إذا ما كان الاسد يريد أن تعود عائدات طابع الانتفاضة الذي اقترحه إلى التنظيمات الفلسطينية التي تتخذ من عاصمته دمشق مقرا لقيادتها، علما أن المساعدات العربية للشعب الفلسطيني تحول حصرا إلى السلطة الفلسطينية؟
ويبدو التناقض واضحا بين كلمتي لحود والاسد، من جهة، وبقية كلمات الزعماء ورؤساء الوفود التي تليت في اليوم الاول من القمة والتي ابتدأت، أو انتهت، أو تضمنت دعما مباشرا لعرفات، لقيادته، ولسلطته.
أما على الصعيد التقني، فإن الوفد الفلسطيني بلسان وزير التخطيط والتعاون الدولي نبيل شعث، ورئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية فاروق القدومي أكد أن الاتفاق كان قد تم مع لبنان منذ أكثر من ثلاثة أيام على بث كلمة عرفات مباشرة إلى قاعة المؤتمر. الرد الرسمي اللبناني لم ينف ذلك.
كما لم يتضمن الموقف الرسمي اللبناني أي تفسير للتفكيك المفاجئ، المتزامن مع بدء الجلسة الصباحية للقمة، للصحن اللاقط الذي ثبت في الفندق لالتقاط خطاب عرفات من مقر المؤسسة اللبنانية للارسال الدولية (إل.بي.سي.آي) في أدما، شمال بيروت، التي كانت ستتولى نقل الاشارة من رام الله.
وقال مصدر في المحطة الفضائية اللبنانية، طلب عدم ذكر اسمه، "كنا على استعداد لتأمين الاشارة من رام الله. كل شيء كان جاهزا. ولكن لا أعلم ماذا حصل في الفينيسيا".
ومصدر فني رفيع في عربسات أكد أن "ثلاث أقنية نظيفة، مؤمنه، مشفرة كانت مخصصة لنقل خطاب عرفات من رام الله. تبلغنا فقط عدم تنفيذ الربط".
وردا على سؤال حول إمكانية اختراق إسرائيل للبث من رام الله، قال المصدر "لا أريد أن أخوض جدالا حول الموضوع، علما أنني اعتبره مستحيلا. ولكن، لنفترض أن شارون اخترق الارسال وظهر على شاشة القمة. ألا يمكننا قطع الاتصال في لحظة؟ ماذا سيتمكن شارون من قوله في لحظة؟"
ورغم الحظر الذي نفذ داخل قاعة المؤتمر، شاهد اللبنانيون عرفات "حيا" على شاشة الفضائية القطرية، الجزيرة، فيما كان أعضاء وفده يسجلون اعتراضهم على التصرف الرسمي اللبناني.
وكرر الدبلوماسي سؤاله، مصرا على الرد بسؤال: "أما زلت تريد أن تعرف لماذا اعتذر الرئيس مبارك والملك عبد الله عن (عدم) المشاركة في القمة؟".