تحليل: هل إلغاء الدور الباكستاني-الايراني في أفغانستان يعني إنهاء للدور السوري في لبنان؟

بيروت - من محمد سلام
هل تستمر علاقة زعماء لبنان بسوريا كما هي عليها الآن؟

هل إنهاء الدور الباكستاني في أفغانستان، والتصدي الاميركي لمحاولة إيران تأسيس نفوذ لها فيها يعني سقوط نظرية الادوار الاقليمية التي حكمت العالم الثالث في الربع قرن الاخير؟
وهل سقوط الادوار الاقليمية يعني أن الادارة السورية للبنان، المستمرة بلا منازع منذ انتهاء الحرب الاهلية عام 1990 وبأحادية مطلقة منذ الانسحاب الاسرائيلي قبل 20 شهرا، هي الاخرى شارفت على نهايتها مع ما يعنيه ذلك من تداع لإفرازاتها على المستويين الشعبي والرسمي؟
رغم ضجيج المسرح السياسي اللبناني بفعل السجال الحاد حول الازمة الاقتصادية والسياسة الضريبية ومسائل حقوق الانسان والحريات الديموقراطية، تنشط التساؤلات همسا خلف الكواليس عن مستقبل الدور السوري، مستندة إلى حقيقة أن ما بعد الهجمات على أميركا في 11 أيلول/سبتمبر الماضي ليس كما قبلها.
سياسيون لبنانيون ودبلوماسيون محايدون يؤكدون أن العالم شهد بالفعل تغيرا سياسيا أساسيا مع المرحلة الاولى من الحملة الدولية على الارهاب، كان أبرز سماتها السقوط السريع لمفهوم الدور الاقليمي، بمعنى أن يكون لدولة من العالم الثالث نفوذا خارج حدودها الوطنية.
ويقول دبلوماسي أجنبي، طلب عدم ذكر اسمه، إن الرئيس الباكستاني برفيز مشرف هو "المثال الذي يجب أن يلاحظه الجميع، ويجب أن تدرس تجربته بتعمق".
ويضيف الدبلوماسي الذي يمثل دولة آسيوية كبرى، "بين ليلة وضحاها، تحول نظام مشرف من راع فعلي للشأن الافغاني إلى دولة معنية فقط بشؤونها الداخلية، وحماية حدودها. بل وأكثر من ذلك، تحول إلى نظام ضارب للمنابع الفكرية الباكستانية التي كانت قد أفرزت حركة طالبان".
بهذا المعنى، يؤكد الدبلوماسي، "نعم سقط التفويض الاقليمي لباكستان. إنه سقط ليس فقط بالنسبة لافغانستان، بل أيضا سقط في كشمير".
إيران، التي نسقت بداية مع التحالف الدولي ضد حركة طالبان وتمتعت تبعا لذلك بتخفيض نسبي لحدة العداء الاميركي لها، "لم تقرأ التطور الباكستاني. حاولت بعد سقوط طالبان أن تؤسس لها نفوذا ما في أفغانستان، ففتحت عليها أبواب الجحيم الاميركي،" وفق تعبير المصدر الدبلوماسي.
ويشير المصدر إلى الاتهامات التي تواجهها إيران رغم نفيها لها بالضلوع في إيواء وتهريب عناصر تنظيم القاعدة الذي يتزعمه السعودي المنشق أسامة بن لادن، وإرسال باخرة الاسلحة كارين-اي التي ضبطتها البحرية الاسرائيلية قبل وصولها إلى الفلسطينيين، وبدعم أعمال إرهابية مزعومة لحزب الله اللبناني ومنظمات فلسطينية أصولية. ويصف هذه الاتهامات بأنها "الرياح الساخنة المنبعثة من أبواب الجحيم المفتوح".
ويخلص الدبلوماسي المحترف، الذي قارب سن التقاعد، إلى: "نعم التفويض الاقليمي سقط. ممنوع أن يكون لاي دولة عالمثالثية نفوذ خارج حدودها. هذه هي العبرة الاولى التي يجب أن تفهمها دول أعضاء في حركة عدم الانحياز، ومنظمة المؤتمر الاسلامي، وجامعة الدول العربية وما شابهها من تكتلات دول ما دون الصف الاول".
دبلوماسي عربي، تمارس دولته تنسيقا مميزا مع الاميركيين والبريطانيين في الحملة على الارهاب، يقول أن "الرسالة وصلت واضحة من أفغانستان إلى الدول العربية. الكل يفهم أنه تم إعلان انتهاء صلاحية نظام الادوار الاقليمية، وأن هناك قرارا بالتصدي لمن يحاول لعب أدوار إقليمية، وقد بدأت ممارسة هذا القرار في حالة إيران".
العرب، يضيف الدبلوماسي، "يعتبرون المؤشرات الصادرة عن الحملة على إيران معبرة جدا، ويلاحظون أنه حتى الاتحاد الاوروبي يحاول فقط التمايز الكلامي وتحت المظلة الاميركية تحديدا. المشكلة هي في عدم وجود تصور عربي جماعي لكيفية التعامل مع مقتضيات الواقع الجديد".
ويفضل الدبلوماسي أن يصف المشكلة بأنها "مسألة مستقبل النفوذ الخارجي، وهي تحد يواجه بعض العرب لانه ليس لكل الدول العربية نفوذ خارج حدودها".
ويضيف "العراق كان أول من تلقى صفعة تطاول النفوذ الخارجي عندما غزا الكويت قبل أكثر من عشرة أعوام، فأعيد إلى داخل حدوده، ولم يحاول التحالف الاطاحة به. فلسفة العقوبات في ذاتها هدفت إلى إبقاء النظام العراقي محصورا داخل حدوده، حتى الآن".
ويرى أن مسألة إلغاء النفوذ الخارجي "تواجه أيضا السعودية. لا أحد يقول مثلا أن السعودية يجب أن لا يكون لها دور إسلامي، ومن ضمنه دور عربي، ولكن السؤال هو حول طبيعة هذا الدور ومدى تأثيره في المجتمعات التي تتلقاه وما ينشأ عنه من ارتباط هذه المجتمعات بصاحب الدور. نفس المعيار ينطبق على الدور الليبي في أفريقيا، بشطريها العربي وغير العربي".
أما بالنسبة إلى مستقبل الدور السوري في لبنان، الذي يتعرض لانتقادات متصاعدة من اليسار الوطني واليمين المسيحي والاوساط الليبرالية وجمعيات حقوق الانسان، والذي تدافع عنه السلطة والاحزاب الدائرة في فلكها فإن الدبلوماسي يجيب بجملة ملاحظات:
"هناك من يقول أن الدور السوري في لبنان لن يكون استثناء للقاعدة المستخلصة من أفغانستان. وهناك من يقول أن لبنان بطوائفه الـ 18 وإثنياته غير المحصية هو مجرد أفغانستان ثانية مع فارق بسيط، ولكن جوهري: أفغانستان أخرجت من سيطرة باكستان لتدخل في ما يشبه بداية نزاع محلي، ولبنان أخرج من نزاع محلي قبل 11 عاما ليدخل تحت نفوذ سوريا".
السؤال، يشدد المصدر، هو: "سوريا التي صنعت في لبنان نظام ما بعد الحرب الاهلية، هل بنته ليبقى إذا رفعت يدها عنه؟ أم ليتداعى؟".
اجابة السؤال بالغة الاهمية، وهي تعني انه قد يؤدي غياب دور سوريا الى ازمة داخلية لبنانية، وقد يؤدي استمراره الى ضغوط خارجية على لبنان، وتظل عملية تحديد الدور السوري في لبنان احد اهم اسس أي تصور لمستقبل هذا البلد.