تحليل: ماذا ينتظر الاردن .. الوليمة الكبرى التي تمناها شارون دائما؟

واشنطن - من جيم أندرسون
شارون يحلم باخلاء الضفة الغربية من الفلسطينيين

بات من الواضح الان أن عملية أوسلو، التي كانت تمثل الامل الرئيسي في إحلال السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين، قد ماتت ودفنت تحت أنقاض القتال الدائر بين الجانبين.
وكان إطار أوسلو للسلام، الذي تم التفاوض بشأنه بين الاسرائيليين والفلسطينيين سرا في النرويج عام 1993 يهدف إلى الانتقال التدريجي من الاحتلال الكامل إلى السيادة الفلسطينية على بعض مناطق الضفة الغربية وغزة. وكان هذا الاطار يمثل القاطرة الرئيسية للمفاوضات بقيادة الولايات المتحدة، وهي المفاوضات التي أدت إلى فرض شكل من السيطرة الفلسطينية الجزئية على الضفة الغربية.
ولقد أفلح هذا الاطار لفترة من الزمن ،غير أنه من الواضح انه مني بالفشل الان.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا بعد؟
لا يفصح أرييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي عما يدور بخلده الان، ولكن يمكن لنا أن نستنتج نواياه استنادا إلى سجله السابق وتصريحاته المعلنة. فقد قال مؤخرا في حديث أجرته معه صحيفة "هاآرتس" الاسرائيلية "لم أغير من وجهة نظري".
ووجهة نظره تلك يمكن تلخيصها في ثلاث كلمات دأب شارون على تكرارها مرات عديدة:"الاردن هي فلسطين". وهذه الكلمات تفسر اعتقاده بإمكان إقامة دولة فلسطينية بالمملكة الاردنية الهاشمية،التي يمثل الفلسطينيون فيها نسبة كبيرة من سكانها.
فعندما دخلت منظمة التحرير الفلسطينية في صراع سافر ومسلح ضد الملك حسين في عام 1970 حاول شارون إقناع رئيسة الوزراء جولدا مائير بسحب تأييدها من الملك حسين والوقوف إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما كان يعني إقامة دولة لمنظمة التحرير الفلسطينية في الاردن. غير أن مائير رفضت الفكرة، ومنيت المنظمة بالهزيمة في الاردن.
وفي عام 1982 كانت خطة شارون، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الدفاع في حكومة مناحم بيجن ،هي ترحيل الفلسطينيين في لبنان إلى الاردن. إلا أن خطته فشلت إثر تدخل الاميركيين من أجل وقف الهجوم العسكري لشارون في لبنان.
وتبدي حكومة العاهل الاردني عبدالله الثاني قلقا واضحا من احتمال قيام شارون بمحاولة تسوية مشكلته مع الفلسطينيين عن طريق طردهم بالقوة من الضفة الغربية و"ترحيلهم" عبر نهر الاردن إلى المملكة الاردنية، حيث سيصبحون أغلبية كبيرة من سكان المملكة وبالتالي يمثلون تهديدا خطيرا للعرش الهاشمي.
وكان الاميركيون والاتحاد الاوروبي يعارضون دوما مثل هذه الفكرة لنفس ذات الاسباب التي جعلتهم يعارضون حملة التطهير العرقي لمسلمي البوسنة والالبان في كوسوفو على أيدي الصرب.
وفي حقيقة الامر اعتبرت دول حلف شمال الاطلنطي (الناتو) مثل هذا الترحيل أمرا يرقى إلى مرتبة جرائم الحرب ويشكل خرقا للقانون الدولي.
بيد أن الموقف في الشرق الاوسط آخذ في التغير بسرعة.
وتحت ستار الحرب ضد الارهاب، قد يحاول شارون إقناع الحكومة الاميركية بأن السبيل الوحيد لحل هذا الوضع المتسم بالعنف والتعقيد - بعد أن ماتت الان عملية أوسلو - هو القيام بالفصل العضوي بين المجتمعين الفلسطيني واليهودي.
وسبق أن أبدى شارون وبنيامين نتانياهو، خليفة شارون المحتمل إذا ما تعثر الاخير، إصرارهما على وجوب بقاء الهضاب المطلة على غور الاردن تحت السيطرة العسكرية الاسرائيلية. وحجتهما في ذلك هي أنه إذا تحرك العراق ضد إسرائيل فسيكون ذلك هو الطريق الذي تسلكه الدبابات العراقية في زحفها باتجاه الدولة اليهودية.
بيد أن هذه الاستراتيجية لا تصمد في حقيقة الامر أمام التحليل. ذلك أنه إذا حاول العراق مهاجمة إسرائيل فإن ذلك لن يكون بواسطة الدبابات، ولكن بواسطة الصواريخ التي سوف تطير ببساطة فوق المراكز الامامية العسكرية الاسرائيلية.
وحتى إذا ما حاول العراق شن هجوم من هذا القبيل فمن المؤكد أيضا أن الولايات المتحدة سوف ترد بهجوم قاس.
لكن ربما يكون من المرجح بدرجة أكبر الظن بأن إصرار إسرائيل على التشبث بهضاب الاردن مرده التفكير في استخدامها كحائط دفاعي ضد الاردن إذا ما صارت دولة فلسطينية.
وقد يندرج كل ذلك تحت بند التكهنات والاجتهادات واستشفاف المستقبل بالنسبة للسيناريوهات المحتملة في الشرق الاوسط الذي يبدو أنه وصل إلى مرحلة دفع الاستحقاقات.
بيد أن الثابت بما لا يدع مجالا للشك هو أن شارون آمن طيلة عمره بفكرة أن "الاردن هي فلسطين"، وأن النتيجة التي سيفضلها على طول الخط هي ترحيل الفلسطينيين عبر نهر الاردن. وسيترك ذلك أراضي الضفة الغربية وغزة ليصبحا جزءا من إسرائيل يتم فيهما استيعاب المهاجرين الجدد الذين بدأت الوكالة اليهودية والحكومة الاسرائيلية بالفعل حملة نشطة لاجتذابهم منذ تولي شارون.