تحليل: لماذا ساندت واشنطن الانقلاب الفاشل في فنزويلا؟

موسكو - من فيكتور كريمنيوك*
شوارع كاراكاس شهدت انتفاضة شعبية رافضة للانقلاب

يدفع فشل محاولة الانقلاب في فنزويلا الى طرح تساؤل: "من كان بحاجة اليه, ومن يمكن وصفه بالمنظم الرئيسي لهذا الانقلاب"؟
وكما توضح التجارب السابقة فان انقلابات اميركا الجنوبية هي عادة خليط من الخلافات المحلية والتدخل الاميركي.
فالولايات المتحدة تتمتع بالكثير من الامكانيات الاقتصادية والسياسية القادرة على زعزعة الاوضاع في دول دول اميركا الجنوبية. وتعمل واشنطن عادة ضمن سيناريو مكرر : في البداية تزعزع الاوضاع السياسية في البلاد وبعدها تستثير بين السكان عدم الرضى على سياسة القيادة, وبعد ذلك تعمد الشخصيات الموالية لاميركا من بين النخبة العسكرية وممثلي رجال الاعمال للبحث عن الزعيم البديل.
ويمكن الافتراض بان هذا الوضع بالذات شهدته فنزويلا هذه المرة. وقد جرت الامور للوهلة الاولى على ما يرام وتم التوصل الى زعزعة الاوضاع وتحقق الانقلاب, ونحيّ الرئيس اوغو تشافيز الذي لا يثير الرضى في واشنطن ووضع مكانه بيدرو كارمون.
وبالرغم من ذلك فقد تبين ان مواقع تشافيز في البلاد كانت قوية جدا فقد ايده غالبية السكان, وايده اكثر قادة الجيش، وكانت النتيجة ان عاد الى السلطة.
والملفت للنظر ان عودته رحب بها المجتمع الدولي باسره, بما في ذلك في موسكو وهذا ما تشهد عليه المحادثة الهاتفية التي جرت مؤخرا بين اوغو تشافيز وفلاديمير بوتين.
اما واشنطن فقد كانت متحفظة للغاية في تصريحاتها المتعلقة بالوضع في فنزويلا, ولم ترحب بعودة تشافيز. بل ان الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الاميركية فيليب ريكير اعلن ان واشنطن تواصل القلق بصدد الاوضاع في فنزويلا.
وقال المسئول الاميركي ان الولايات المتحدة ترحب بدعوة تشافيز لاعادة الهدوء, الا انها وفي الوقت نفسه تريد رؤية عودة الديمقراطية الى البلاد وتحث السلطات الفنزويلية على التخلي عن تعقب المشاركين في الاحداث الاخيرة. وهذه الصيغة غريبة جدا لان الرئيس تشافيز تم انتخابه في انتخابات حرة. ولو انتصر الانقلابيون في فنزويلا لسارعت واشنطن للحديث عن سيادة الديمقراطية بها.
فلماذا لا يروق تشافيز للولايات المتحدة؟ ولماذا تحاول التخلص منه واحلال زعيم آخر مكانه؟
القضية وبالدرجة الاولى هي ان سياسة تشافيز تتعرض لمصالح الولايات المتحدة النفطية. ففنزويلا هي احدى الدول الكبرى المصدرة لـ "الذهب الاسود" في العالم، وهي تشغل المركز الثالث من حيث حجم النفط المصدر للولايات المتحدة الاميركية.
واشنطن حريصة اشد الحرص على التزود بالنفط الفنزويلي من دون انقطاع وعلى استقرار اسعاره, هذا في الوقت الذي يعتقد تشافيز بان الاسعار ليست عالية بالقدر الكافي ويظهر عن نفسه كنصير بارز لزيادتها. وقد اثارت تصريحات تشافيز الصاخبة في ايلول/ستمبر عام 2000 في مؤتمر الاوبك رد فعل سلبي للغاية من جانب واشنطن, فقد طالب تشافيز بالتوحد في محاربة العولمة والضغط على الغرب الذي يطالب الدول المنتجة للنفط في اوبك بزيادة صادراتها. وسياسة تشافيز موجهة للتقييد المتشدد على صادرات النفط من اجل التوصل الى منع تراجع اسعاره.
وليس من المستغرب بأنه بمجرد ورود الانباء عن وقوع انقلاب في كاراكاس وابدال تشافيز فان اسعار النفط في اسواق البورصة العالمية انخفضت بسرعة. لقد شكل ذلك انعكاسا لامال البورصات عن حصول تغييرات في سياسة الصادرات النفطية الفنزويلية مع ابدال القيادة, ولا سيما في الولايات المتحدة. الا ان تشافيز عاد مجددا الى السلطة ونمت اسعار النفط مجددا لانه اتضح ان اي تغييرات لن تجري في السياسة النفطية لكاراكاس.
ولكن بالطبع اذا تحدثنا عن اسباب عدم الود الذي تحمله واشنطن لتشافيز فانه يتعين تذكر تصرفات الرئيس الفنزويلي المستقلة, وان التأكيد على استقلالية زعماء اميركا الجنوبية كان على الدوام يثير حفيظة البيت الابيض, الذي اعتاد منذ زمن بعيد على اعتبار كل اميركا من ضمن مناطق "مسئولياته" وبأنه مسؤول عن مصيرها.
وتبدو استقلالية تشافيز بوضوح في العلاقات الجيدة مع كوبا وزعيمها فيدل كاسترو. وقد ترك هذا الامر آثار واقعية. ففنزويلا تزود كوبا بالنفط باسعار مخفضة. كما ان تشافيز يمتلك علاقات جيدة مع الدول التي تضعها الولايات المتحدة في خانة الدول "المارقة" مثل العراق وايران. والرئيس الفنزويلي يبدي تقديره واعجابه بالانجازات الاقتصادية التي حققتها الصين ويدعو الى التعلم منها. والتعلم حسب رأي واشنطن يجب فقط من الولايات المتحدة وليس من احد غيرها. ولذلك فان الاسس التي تدعو واشنطن لان تكون غير راضية عن تشافيز هي اكثر من كافية.
ولكن ما العمل؟ يتعين على الجار الشمالي العظيم الاستسلام لامر وجود تشافيز في السلطة. ان ذلك هو ما يريده الشعب الفنزويلي وله وحده بالذات حق تقرير من يريد زعيما.
*بروفيسور فيكتور كريمنيوك هو نائب مدير معهد الولايات المتحدة وكندا في اكاديمية العلوم الروسية