تحليل: لماذا انهار الاتحاد السوفييتي؟

انقلاب اغسطس عجل بانهيار الاتحاد السوفيتي

الا ان روسيا في اية حال هي الآن دولة اخرى. وبالرغم من انه يقطنها هؤلاء الناس انفسهم الذين عاشوا فيها منذ 15 سنة ولكنهم يعيشون الآن في دولة اخرى بشكل كامل
موسكو - شهد شهر ديسمبر عام 1991 المراسم الاخيرة لتشييع الاتحاد السوفيتي الى مثواه الاخير. ففي 8 كانون الاول/ديسمبر وقع رئيس جمهورية روسيا السوفييتية الفدرالية بوريس يلتسين، واوكرانيا ليونيد كرافتشوك، وبيلوروسيا ستانيسلاف شوشكيفيتش في مدينة بيلوفيجسكايا اتفاقية تشير الى ان "الاتحاد السوفييتي بوصفه كيان من كيانات القانون الدولي والواقع الجغرافي-السياسي قد انتهى وجوده". واعلنوا في الوقت نفسه انهم "يشكلون رابطة الدول المستقلة".

وفي 12 كانون الاول/ديسمبر الغى المجلس الاعلى لجمهورية روسيا السوفييتية الفدرالية اتفاقية انشاء الاتحاد السوفييتي في عام 1922. وخلال شهر كانون الاول/ديسمبر 1991 الغت الجمهوريات السوفييتية السابقة هذه الاتفاقية ايضا. في 26 كانون الاول/ديسمبر عقد مجلس جمهوريات المجلس الاعلى للاتحاد السوفييتي اجتماعه الاخير. وكان معنى ذلك ان الاتحاد السوفييتي قد انتهى وجوده.

ويقول اليكسي ارباتوف استاذ التاريخ ورئيس مركز الامن الدولي في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابع لاكاديمية العلوم الروسية "انه بالنسبة له كان ذلك حقيقة لا شك فيها : الاتحاد السوفييتي كان مقدرا له ان يفشل. وبالتالي فان انهياره مأساوي ومدمر الى حد كبير، ولكنه مع ذلك مسار حتمي."

ويقول ارباتوف، الذي يشغل ايضا منصب نائب رئيس اللجنة النيابية لشؤون الدفاع في الدوما، ان عصب الاتحاد السوفييتي كان الحزب الشيوعي والايديولوجية الشيوعية وغياب اي نوع من الديمقراطية. وبفضل هذا العصب بالتحديد تمكن هذا البلد المتخلف في مستوى معيشته من تحقيق نتائج عظيمة في مجال غزو الفضاء وبناء ترسانة حربية عملاقة. وفي تلك الدولة الموحدة فقط كان بامكان الشعوب المختلفة، كالاستونيين والتركمان، على سبيل المثال ان يتعايشوا.

وبدءا من منتصف الستينات اصبحت ظاهرة للعيان اكثر طوباوية (مثالية) الايديولوجية الشيوعية. فمقدرتها على الحياة كانت محل شك العاملون الحزبيون انفسهم. وفي الثمانينات اصيبت الايديولوجية الشيوعية والنظام الشيوعي المستند اليها بالعفن بشكل عميق.

واضاف "هناك بالمناسبة عدد غير قليل من الابحاث العلمية التي تثبت حتمية انهيار الامبراطورية. ولكن، وبالرغم من قوانين التاريخ تحتم انهيار الامبراطوريات اذا افتقدت لاسس استمرارها، فان انهيارها يثير الاسف لدى العديد من الناس القاطنين فيها. وأنا آسف على انهيار الاتحاد السوفييتي. أنا آسف ايضا على انهيار الامبراطورية القيصرية مع انني ادرك عفنها. ومع ذلك فانني آسف. لقد كانت هناك امبراطورية وكانت هناك تقاليد وانظمة.تاريخ عظيم. مجد. وليكن مع خسائر عظيمة الا ان الامبراطورية الروسية حققت الانتصار مثلا على نابليون."

واذا ما كان انهيار الاتحاد السوفييتي مسألة متنبئ بها الا ان اشكال ذلك الانهيار كانت عفوية تاريخيا. فلو كان مكان ميخائيل غورباتشوف شخص آخر لاخذت تلك العملية طابعا آخر. ولو جاء ميخائيل غورباتشوف الى السلطة قبل 10 سنوات لربما انهى الاتحاد السوفييتي وجوده ليس في العام 1991 وانما في بداية الثمانينات وذلك مع خسائر اقل.

ويتساءل ارباتوف "هل كان يمكن لانهيار الاتحاد السوفييتي ان يتم بشكل اقل ايلاما؟ من دون افقار غالبية السكان ومن دون سيادة الجريمة؟ كان ممكنا من دون شك. مع بعض الخسائر والمشاكل طبعا. فمن دون ذلك لا يمكن لاي بيريسترويكا (الاصلاح) ان تتم.

"اني انظر بشكل سلبي جدا الى الاتفاقيات التي تم بموجبها تفكيك الاتحاد السوفيتي. فهذه الاتفاقيات ادت الى نتائج سيئة. فبموجبها تمت تصفية دولة كاملة دون ادراك للمشكلات التي يجب حلها قبل فعل ذلك. فان تفكيك الامبراطورية واعادة بناء ما بقي منها كان من الممكن ان يتم بطريقة اخرى.

"ولا يجب ان ننسى في الوقت نفسه ان نتائج انهيار الاتحاد السوفييتي كان من الممكن ان تكون على درجة اكبر من السوء."

ويعتقد ارباتوف "ان هذا الحدث التاريخي في حياة الاتحاد السوفييتي يمكن مقارنته مع شبيه له حدث في تشيكوسلوفاكيا ولكنه جرى هناك بطريقة سلمية وبشكل يرضي الطرفين معا. وكنتيجة ذلك تسعى سلوفاكيا الان بكافة الوسائل للتوحد مع تشيكيا.

الا ان تفكيك الاتحاد السوفييتي كان يمكن ان يترافق مع الحروب كما حصل ذلك لدى تقسيم يوغوسلافيا. واذا ما اخذنا بالاعتبار مساحة البلاد وحيازتها على السلاح النووي فان هذه الطريقة كان يمكن ان تؤدي الى كارثة لا تقارن بكل ما ظهر في الحياة الواقعية من سلبيات.

ان التطور العالمي - حركة الى الامام كما هو معروف، حركة نحو التقدم. وفي هذا المفهوم يكتسب انشاء الدولة الجديدة - روسيا الاتحادية - طابعا ايجابيا."

وليس هناك شك بان روسيا وبالرغم من كل المشكلات والاخفاقات تتقدم نحو تعزيز اقتصاد السوق وبناء المجتمع الديمقراطي. وتعتمد خطوات ملحوظة على طريق اقامة علاقات السوق ولكن مع خسائر كبيرة واساس غير متين. ويلاحظ ذلك بشكل واضح الآن عندما تدنت الاسعار على النفط. ويمكن ان تبرز مشاكل في تمويل القطاعات الرئيسية. ولكن مع ذلك كله تم اقرار العديد من القوانين المهمة الهادفة الى تثبيت استقرار اقتصاد السوق. وكان المفروض بالطبع المسير بشكل عميق وحاسم اكثر في عدد من الاتجاهات الاقتصادية.

واضاف ارباتوف "ولكن روسيا لم تشهد في العام 1991 ثورة دموية كما كان الحال في العام 1917 عندما تمت بكل بساطة تصفية كل من عارض النظام الجديد. والحمد لله ان ذلك لم يحصل. ولذلك هناك في البلاد قوى مختلفة نشيطة جدا بما فيها داخل الاقتصاد متفقة او غير متفقة مع المسيرة الحالية للبلاد. وهذا يعد الواقع الذي يحدد تطور روسيا."

ويكمن احد الانتقادات الاقتصادية في الفترة الاخيرة في ان الحكومة لم تتمكن من التعامل مع الخيرات التي تدفقت على روسيا على شكل اسعار عالية للنفط، وهي اسعار اعطت في العام الماضي والعام الذي سبقه ايرادات اضافية ضخمة للدولة. فلقد كان بالامكان استخدامها لحل المشكلات الاضخم. مثلا بفضل جزء من هذه الايرادات الاضافية اجراء اصلاحات للجيش : تقليص عدده والتعويض عن المسرحين الى الاحتياط وتخصيص المساكن العسكرية وتحسين مستوى معيشة المتبقين في الجيش واعادة تجهيزه بالتقنيات الحديثة. والامر نفسه يمكن قوله بالنسبة للاصلاح التعليمي والاصلاح القضائي.

ان بناء المجتمع الديمقراطي في روسيا تفرضه ايضا المسارات السلبية مثل استغلال المناصب الادارية لتزييف الانتخابات على كافة المستويات والتزييف السياسي والهجوم على حرية الصحافة. ويجب على المواطنين الروس من دون ادنى شك ان يقلقوا في هذا الشأن. ولكن لا يجب عدم رؤية الغابة خلف الابواب. ان الرأي العام التقدمي في روسيا منزعج الان من "هجوم" السلطة ولمرة جديدة على محطة تي في - 6 التلفزيونية المستقلة وعدم مسامحة الطاقم الصحافي على انتقادها. ولكن منذ 15 سنة وفي خضم فترة بيريسترويكا غورباتشوف كان من الصعب تصور مجرد قيام محطات تلفزيونية مستقلة. اضافة الى ذلك تسعى السلطات الى الضغط على تي في - 6 بواسطة الآليات القانونية وليس بشكل فوضوي كما كان ذلك في السابق.

ولا يجب ان ننسى اي طريق ضخم تمكنت روسيا من عبوره في السنوات العشر الاخيرة. فالدول الاوروبية عبرت هذا الطريق على امتداد عشرات السنين وحتى مئات السنين. ولذلك من المهم رؤية ان النمو المتسارع للجسم يمكن في بعض الاحيان ان يصيبه بامراض وعلل شديدة وحتى بالموت في احيان اخرى. ولكن ذلك هو نتيجة للتحولات الجذرية التي تجري في البلاد. وليس دائما مع الاسف في الاتجاه الجيد. الا ان روسيا في اية حال هي الآن دولة اخرى. وبالرغم من انه يقطنها هؤلاء الناس انفسهم الذين عاشوا فيها منذ 15 سنة ولكنهم يعيشون الآن في دولة اخرى بشكل كامل.