تحليل للأحداث المصرية: واشنطن تقود التغيير 'الآمن والناعم' في مصر

بقلم: سمير عبيد

يعتبر النظام المصري من أهم الأنظمة الحليفة والصديقة للولايات المتحدة في المنطقة، و يعتبر الرئيس المصري حسني مبارك من أشد المقربين الى إسرائيل ومنظمات اللوبي اليهودي في أوربا وأميركا، أما مصر الرئيس مبارك ومن الناحية الجغرافية والإستراتيجية فهي من أهم مقومات ودعائم استتباب الأمن القومي في إسرائيل، ومن أهم الداعمين للمشاريع الأميركية في المنطقة، ولو لم يتوفر الدعم المصري لِما نجحت الولايات المتحدة في حصارها وحربها وأحتلالها للعراق، ولِما وصلت واشنطن لمياه الخليج وأستقرت فيه، ولولا مصر لما تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من الدخول والبقاء في العراق، والخليج، ولبنان، والسودان، فلقد تبرع الرئيس المصري مبارك بمصر وإمكانياتها الجغرافية والبشرية والإستراتيجية وااللوجستية والإستخبارية وجعلها في خدمة الولايات المتحدة وإسرائيل مقابل حماية نظامه من الداخل والخارج، وبالتالي فنظام الرئيس مبارك حكم وبقى وأستمر لثلاثين عاما بدعم وحماية مباشرة من واشنطن وتل أبيب.

فالولايات المتحدة وإسرائيل تعيشان حالة من الهلع والخوف هذه الأيام على مصير الرئيس مبارك ونظامه، ولقد حاولتا أيجاد خارطة طريق ما ليأخذ الرئيس مبارك زمام المبادرة مثلما أخذها وبدعم منهما أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وعندما تم إقصاء الأخوان المسلمين والأطراف المعارضة من البرلمان المصري، وبدعم وترتيب سري مع إسرائيل ومنظمات اللوبي اليهودي في أميركا، لأن هناك مهمات جديدة قد طلبتها واشنطن وإسرائيل من الرئيس مبارك، ولن يتمكن من القيام بها دون أن يكون هناك برلمانا ساندا له، وأن أهم المهمات التي كانت تنتظرها واشنطن وتل أبيب من الرئيس مبارك ـ أي من مصر ـ هي التي تتعلق بالحرب ضد إيران، وبسوريا، ولبنان، وملف حزب الله، وبتقسيم العراق والسودان، ولهذا سارع النظام المصري لفتح قنصلياته في العراق، وبإشارة واضحة جدا لدعم تقسيم العراق، أما مواقفه تجاه أنفصال جنوب السودان فكانت سمن على عسل، ولكن انتفاضة الشباب المصري كانت لأميركا وإسرائيل بالمرصاد لمنع الرئيس المصري من الاستمرار في جعل مصر "نادلة + بوسطجي" في خدمة واشنطن وإسرائيل وضد الدول والشعوب العربية والإسلامية، ومن هنا زاد الهلع في غرفة عمليات إسرائيل، وكذلك في غرفة عمليات واشنطن، لأن عملية رحيل الرئيس مبارك ونظامه وعلى الطريقة التونسية تعني فتح جبهة "الجحيم" ضد إسرائيل، وكذلك ذهاب مصر الى تحول تاريخي جديد سيكون للإخوان المسلمين حصة الأسد فيه، وهذا يعني محاصرة إسرائيل سياسيا وإستراتيجيا وأمنيا، وإنهاء المشروع الصهيوني في المنطقة، وسيكون التغيير حزاما ناسفا بوجه السياسات الأميركية في المنطقة، أي ستفقد الولايات المتحدة لمصر مثلما فقدت حليفتها إيران عام 1979 ولصالح الثورة الإسلامية بقيادة الأمام الخميني.

من هنا فهمت واشنطن وإسرائيل الرسالة التي خرجت من القاهرة، والإسكندرية، والسويس والمدن المصرية الأخرى، وبلسان الشباب المصري الثائر والمعتصم في الساحات والشوارع وهو يطالب برحيل الرئيس مبارك ونظامه، فسارعت الى سيناريو تغيير النظام بطريقة " آمنة وناعمة" ومحاولة تعويم دور الرئيس مبارك من خلال أيجاد طريق آمن للإنسحاب من الحياة السياسية مع ضمان حمايته وحماية أسرته من ردات الفعل الجماهيرية، فنسجت الخطة وحسب الخطوات التالية:

أولا:

يخرج الرئيس مبارك بخطاب مختصر يخاطب من خلاله الشعب المصري، والشباب المصري تحديدا، ومن ثم يخاطب الرأي العام، ويعد بحل الحكومة وبالتغيير التدريجي، وبدلا من كلمة الرئيس التونسي المخلوع عندما قال" لقد غرروا بي، ولقد فهمتكم (يقول الرئيس مبارك) سأقوم بعمليات التغيير، ولقد أعطيت أوامري بحل الحكومة"، ولقد نفذ الرئيس مبارك ما طلبته واشنطن.

ثانيا:

يقوم الرئيس مبارك بتعيين مدير المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان بموقع أو بمنصب نائب الرئيس، وهو الموقع أو المنصب الذي أغتصبه الرئيس مبارك ولثلاثين عاما علما أنه موجود في الدستور المصري، وهذا يعني التمهيد الى السيد عمر سليمان ليكون هو الرئيس الفعلي لمصر خلال هذه الفترة، وحسب سيناريو "التغيير الناعم والآمن" والذي أشرفت عليه واشنطن وتل أبيب، ولقد تم أختيار اللواء سليمان تحديدا لأنه المُطلع والمشرف عن قرب على العلاقة الخاصة بين مصر وإسرائيل، وبين مبارك وساسة إسرائيل، وتحديدا بين المخابرات المصرية والموساد الإسرائيلي، ومن الجهة الأخرى فهو المُطلع والمشرف على العلاقة بين المخابرات المصرية من جهة ووكالة المخابرات المركزية الأميركية "سي أي أيه" من جهة أخرى، أي هو من الأصدقاء المقربين الى واشنطن، وبالتالي ضمنت إسرائيل والولايات المتحدة بقاء مصر حليفة لهما، أي بقاء المنظومة نفسها التي تدير العلاقة بين مصر وإسرائيل من جهة، وبين مصر والولايات المتحدة من جهة أخرى.

ثالثا:

وبما أن السيد سليمان جاء من خلفية عسكرية، ورجل محترم من قبل المؤسسة العسكرية والإستخبارية في مصر، ناهيك عن احترامه في الشارع المصري، راحت واشنطن فتوجست من طموحات عمر سليمان والذي ربما سيكون "جمال عبد الناصر" الجديد، وعندما يستغل التعاطف الجماهيري وتعاطف الجيش معه، فسارعت لإحكام المخطط من خلال التطويق الإستباقي لطموحات اللواء عمر سليمان عندما أوعزت للرئيس مبارك بتعيين الفريق أحمد شفيق بموقع رئيس الحكومة أو تكليفه بتشكيل الحكومة، لكي يكون هناك تكافؤ بين الرجلين، أي بين سليمان وشفيق لأن الأول من صنف المشاة في الجيش ثم الإستخبارات العسكرية ثم المخابرات، والآخر من الجيش ولكن من سلاح الطيران، وبالتالي سيفهم بعضهما البعض، فهذا يحبه الجيش والآخر يحبه سلاح الطيران، ويعتبر الفريق شفيق من أصدقاء الولايات المتحدة أيضا، وقد أعدته واشنطن ومنذ سنوات ليكون الرئيس المقبل في مصر، ولكن مجريات الأحداث قد فرضت واقعا جديدا تحاول من خلاله الولايات المتحدة ضمان ولاء الجيش المصري، وبقاء مصر حليفة لواشنطن، فيقتضي أن يكون سليمان في هذا المنصب، وشفيق في المنصب الآخر.

وبهذا السيناريو الذي أعد في واشنطن، وعلى ما يبدو قد حمله رئيس الأركان المصري الذي كان يزور واشنطن وعاد مسرعا الى القاهرة، فسلمه الى الرئيس مبارك، سوف تكون المهمة بعهدة أصدقاء واشنطن وتل أبيب، ولكن الرئيس مبارك ليس على درجة من البساطة والسطحية السياسية، فهو الآخر له خبرته وحنكته وذكائه، لا بل له دهائه السياسي، ولقد وافق على هذين الرجلين، لأن الشعب والجيش المصري يحترمهما جدا، وبالتالي يحاول الرئيس مبارك أحراقهما ماداما سيتبعان الى سلطاته وأوامره، ولكن عندما يعلنا بأنهما على طلاق مع الماضي، أي على طلاق مع نظام الرئيس مبارك، فهنا سيبقيان على أحترامهما في الشارع المصري وداخل مؤسسات الجيش المصري، وهنا سوف يسقطان خطة الرئيس بأحراقهما.

ولكن لو نظرنا الى الناحية القانونية والدستورية في موضوع تعيين سليمان وتكليف شفيق، فسوف نجد أن التعيين والتكليف غير قانوني، وكذلك غير دستوري، لأن الرئيس منتهية ولايته وينتظر انتخابات على مصير شرعيته وهذا أولا، وأن خروج الآلاف من الشعب المصري وهي تهتف برحيل الرئيس وبطلان نظامه فهذا يعني أستفتاء شعبي برفض الرئيس وصلاحياته وهذا ثانيا، أما ثالثا فلقد عطل الرئيس موضوع تعيين نائب الرئيس لـ 30 عاما وإذا به يقرره خلال سويعات وهناك أنتفاضة شعبية عارمة تطالب برحيله وأسقاط نظامه، وبالتالي لا توجد هناك شرعية قانونية لهذا التعيين والتكليف!

ومن هنا نعتقد بأن الرئيس مبارك عنيد جدا، ولقد رضخ للخطة الأميركية من موقع ضعف مؤقت، وعندما عين اللواء سليمان، وكلف الفريق شفيق، ولكنه يمتلك مناورات أخرى، فالرجل لازال يمتلك عناصر كثيرة من القوة، فهناك الحرس الجمهوري، وطيران الجيش، والطيران الحربي، وقوات مكافحة الشغب، وصنوف الجيش، فالجيش للآن لا يُعرف ولائه لمن، وهناك الشرطة السرية والعادية والمهمات الخاصة، وهناك البحرية، وهناك وهناك وهناك، ، خصوصا وأن هناك جماعات لا يستهان بها داخل تركيبة النظام المصري، وتمتلك أخطبوط من العلاقات المحلية والدولية والإقليمية، ناهيك أنها تهيمن على الأتصالات والإعلام والأقتصاد في مصر، وبالتالي لن تسكت، وسوف تقف حجر عثرة بوجه التغيير الناعم والذي تقوده واشنطن في مصر، لأن مصيرها مرتبط بشخص الرئيس مبارك،

ومن هنا أوعزت هذه الجهات الى تنفيذ مخطط "النهب والسلب والترويع" في القاهرة والمدن المصرية، ولقد نجحت عندما شكلت " غرفة عمليات إعلامية" تطلق النداءات والإستغاثات على لسان نساء، وشباب، ورجال، وأطفال ومن خلال القنوات الفضائية التي تساند المنتفضين، وهنا نجحت هذه الجماعات من أستخدام الفضائيات المعادية لنظام مبارك من وجهة نظرهم، وجعلتها دعاية إعلامية مجانية ضد المنتفضين ولصالح النظام، وبالفعل لقد تغير مزاج الشارع المصري، وأن بقي الأمر كذلك سوف يعود النظام المصري ليأخذ زمام المبادرة على أنه الطرف الوحيد والقادر على أعادة الأمن وحماية المواطنين ودورهم ومحلاتهم وممتلكاتهم ومقتنياتهم.

ولكن الأمر سيتغير عندما تنجح الانتفاضة من أخذ زمام المبادرة من خلال تشكيل مجلس أعلى لها يأخذ على عاتقه أدارة الانتفاضة، والشروع في الحوارات الجانبية، وأولها مع أطراف المعارضة لبلورة مشروع تغييري كامل.

سمير عبيد

كاتب ومحلل في شؤون الأمن القومي

Sa.obeid@gmail.com