تحليل: عندما تعطس السوق البترولية، تصاب واشنطن بالزكام

واشنطن - من جيم أندرسون
بوش وتشيني تعلما الدرس: لا غنى لاميركا عن نفط الشرق الاوسط

رفضت اغلب الدول العربية المنتجة للبترول دعوتي العراق وايران لاستخدام سلاح النفط ضد اميركا، وبالمثل رفضت الحكومة الاميركية ووسائل الاعلام الاميركية الاهتمام بهذه الدعوات. غير أنه في اليوم التالي حدث أمر ما، فقد قال وزير الخارجية الايراني كمال خرازي في بيان أمام أحد المؤتمرات أن اتخاذ قرار جماعي من جانب الدول الاسلامية قد يكون فعالا في محاولة الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة.
ومن المعروف أن إيران والعراق من بين الدول المدرجة في "محور الشر"، طبقا للمصطلح الذي أطلقه الرئيس الاميركي.
ورغم ما شابه العلاقات العراقية الايرانية من مشاكل، إلا أن خرازي ناقش الفكرة علنا أثناء المؤتمر الاسلامي في ماليزيا وقال أن إيران سوف تدرس مسألة الانضمام للحظر "إذا ما وافقت كل الدول الاسلامية على اتخاذ مثل هذا القرار".
وفي واقع الامر ليس هناك أي احتمال بأن الدول العربية المنتجة للبترول ستقوم بفرض حظر بترولي وعمل ما يطلبه العراق وايران، إلا أن مجرد التلويح بالتهديد استقطب اهتمام بعض المتعاملين في بورصة البترول الدولية في لندن ممن يميلون إلى المغامرة. ففي الثاني من الشهر الحالي ارتفع سعر البترول من الخام الاساسي بنسبة 3.3 في المائة في يوم واحد ليسجل أعلى ارتفاع له على مدى ستة شهور.
وما يحدث أساسا هو أن السوق البترولية تمر بحالة عدم استقرار بسبب ما يمثله الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني من خطر محتمل بالنسبة لاسعار البترول.
ويولي بوش ونائبه ديك تشيني، بوصفهما رجلي بترول سابقين، اهتماما لمؤشرات السوق البترولية. فهما يدركان أن السوق البترولية تعد مقياسا حساسا لمستقبل الاسواق العالمية الاخرى وأن ما تقوله بورصة لندن هو أن "جو عاصف يلوح في الافق".
ويدرك بوش وتشيني أن ارتفاع أسعار البترول يمكن أن ينطوي على آثار مدمرة، وخاصة أن الاقتصاد الاميركي ما برح يتعافى من الركود الناجم عن أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. إذ من الممكن أن يؤدي ارتفاع أسعار البترول إلى وأد حالة الانتعاش الاقتصادي وهي في المهد، وحدوث تضخم شامل في الولايات المتحدة بسبب ارتفاع تكلفة النقل، بالاضافة الى ارتفاع اضافي في أسعار بعض السلع الاساسية التي تعتمد على البترول بدءا من الاسمدة الزراعية وانتهاء بمنتجات البلاستيك والسيارات. والنتيجة تشكل كارثة لاميركا التي تستورد عشرة ملايين برميل من النفط يوميا.
ولم يكن هذا هو السبب الوحيد الذي دعا بوش إلى إعلان تغيير سياسته في الشرق الاوسط - من سياسة الابتعاد إلى سياسة الانخراط المباشر - ولكنه كان واحدا من عدة مؤشرات له ولادارته على أن ما يحدث في الشرق الاوسط يؤثر على الاسواق والاقتصاد العالمي، وعلى المصالح الاقتصادية الاميركية في نهاية المطاف.
وقد كان هذا بمثابة درس سريع في السياسة الدولية وعلم الاقتصاد بالنسبة لرئيس كان قد حرص على عمل عكس كل ما كان يفعله سلفه الرئيس السابق بيل كلينتون.
وفيما يتعلق بالشرق الاوسط فإن إدارة بوش كانت قد ألمحت إلى أن الانخراط المباشر المغالى فيه من جانب كلينتون في مفاوضات الشرق الاوسط في تموز/يوليو عام 2000 أدى على نحو غير مقصود إلى إثارة الآمال في قرب انتهاء الازمة ثم تحطيم هذه الآمال، الامر الذي أدى إلى تسميم المناخ السياسي في كلا الجانبين. ولذا كان بوش مصمما على عدم تكرار ذلك الخطأ.
وظل بوش يلتزم جانب الصمت إزاء الصراع، باستثناء انتقاده لجهود رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في التصدي للعمليات الارهابية، ومناشدته أحيانا الحكومة الاسرائيلية توخي ضبط النفس. وهذا في الواقع كان بمثابة إعطاء ضوء أخضر لرئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون في قيامه بإعادة احتلال مدن الضفة الغربية.
وأثار هذا العنف في الضفة الغربية انزعاج العالم وزاد من التوتر في الشرق الاوسط، حيث يهدد رد الفعل الناجم إلى تقويض الاستقرار السياسي لدول مثل مصر والاردن.
وعندما انضم زعماء الشرق الاوسط إلى صوت السوق البترولية في القول لبوش أنه ليس في مقدوره التزام الصمت بعد الان، أدلى بوش ببيانه الخميس ليعيد الولايات المتحدة إلى لعبة الشرق الاوسط مرة أخرى.