تحليل: روسيا والغرب، تطور تاريخي في العلاقات أم خطوة تكتيكية؟

موسكو
هل مغانم العلاقة مع اميركا كافية لروسيا؟

كان تطور العلاقات بين روسيا والغرب من المرحلة الباردة إلى الحارة مفاجئا إلى حد انه نادرا ما تجد عالما في السياسة يتجرأ على الرد بوضوح على السؤال: هل هو تطور تاريخي، أم قرار تكتيكي فرضه تطابق مصالح مؤقت؟
ربما تسمع على ألسنة الدبلوماسيين أحيانا أن القواعد الأساسية للسياسة الخارجية بسيطة جدا, فهي أولا، يجب على المرء أن يعرف ماذا يريد، وثانيا، يجب أن يعرف كيف يقدر تقديرا واعيا ما الذي يتيحه له الشركاء. فعلى الرغم من أن صيغ التصرف وبدائله قد تكون كثيرة لا عد لها ولا حصر، فهي تبقى جميعها ضمن إطار "ما تريده" و"ما تستطيعه".
ويرى عديد من علماء السياسة والخبراء الروس أن روسيا دخلت عام 2002 وقد حددت بوضوح ماذا تريد.
اما السنة الماضية فقد كانت مليئة بالأحداث التي تتيح قياس الطموحات السياسية وإمكانية تحقيقها. أول هذه الاحداث مجيء فريق جورج بوش إلى البيت الأبيض على خلفية تداعيات النهائيات الفاضحة للانتخابات الرئاسية في أميركا. وثانيها تأزم الوضع حول العراق مجددا. وثالثها تسليم سلوبودان ميلوشيفيتش إلى محكمة لاهاي. ورابعها المظاهرات المعادية للعولمة في بيتيبورغ وجنوى حيث كانت تعقد قمة رؤساء الدول والحكومات في بلدان الاتحاد الأوروبي و"الثمانية الكبار". وخامسها بوادر بداية حرب شاملة في الشرق الأوسط. وسادسها تنكر الولايات المتحدة الأميركية لمعاهدة الدفاع المضاد للصواريخ. وسابعها وآخرها هجمات أيلول/سبتمبر في نيويورك وواشنطن التي تبعها قصف أفغانستان المعلن بداية الحرب الشاملة للولايات المتحدة على الإرهاب الدولي.
كل هذا كان يمس مباشرة أو مجازا مصالح روسيا ويستدعي رد فعل من قبلها. وهنا كان يستشف اتجاهان في السياسة الروسية: شرقي وغربي. فبفضل تطابق "المراد" و"المستطاع" راحت تتعزز بسرعة، مثلا، العلاقة مع الصين. فبلغت هذه العلاقة القمة خلال السنوات الأربعين الأخيرة مع توقيع معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون الثنائية.
وفي الاتجاه الغربي؟ يقول نائب رئيس لجنة الشؤون الدولية في الدوما كونستانتين كوساتشوف "هنا أيضا يجري تحاور مع الاتحاد الأوروبي. وهو تحاور على صعوبته يعد بتحول نوعي. فإيجاد آلية تعاون روسي أوروبي جديدة ليس من شأنه وحسب أن يبدد الكثير من القلق الروسي من توسع رقعة الاتحاد الأوروبي، بل أن يعين أيضا على تطوير ديناميكي للعلاقات الأوروبية بالصين وبمنطقة آسيا والمحيط الهادي. ويمكن لروسيا هنا أن تلعب دور الجسر بين هذه الأطراف".
غير ان الكثيرين من الساسة الروس يلحظون أن التقدم في الحوار الدائر بين روسيا والاتحاد الأوروبي كان من شأنه أن يكون أكبر لولا العوائق التي لم يتم التوصل بعد إلى إزالتها. وهي بادئ ذي بدء تحامل الغرب على الإصلاحات الاقتصادية والسياسية في روسيا وعدم استعداده, وربما عدم رغبته, أن يرى في روسيا شريكا مساويا له في الحقوق. ومن هنا حرمان روسيا حتى الآن من نعتها بالدولة ذات الاقتصاد المعتمد على السوق وبقاؤها موضع تمييز مجحف في التجارة.
وهذا الموقف المتحامل تتساوى فيه أوروبا بالولايات المتحدة. هذا مع العلم أن الأميركيين خلافا للأوروبيين تحركوا قليلا إلى الأمام. فلم يعد بينهم وروسيا الكثير من النقاط غير المتوافق عليها حول انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية. والرئيس بوش وعد بإلغاء بنود التشريع الأميركي الذي يعرقل تطور العلاقات الاقتصادية والتجارية مع روسيا.
أما الأوروبيون فأبدوا حسن نية أكبر ومزيدا من اللباقة في الشؤون السياسية، بحسب رأي عالم السياسة الروسي البارز الباحث في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية كونستانتين فورونوف. وعندما شعر مستشار ألمانيا جيرهارد شرودر بما يخطط في موسكو من ميل إلى التقارب مع الغرب أدلى بتصريح مثير حول احتمال انضمام روسيا لاحقا إلى حلف الأطلسي. واثنت موسكو أيضا على مقترحات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في شأن تحسين العلاقات مع روسيا وصولا إلى إيجاد آلية لاتخاذ القرارات معا. وأضاف فورونوف "على الرغم من كل الاعتراضات تبدي البلدان الأوروبية الكبرى بوضوح حرصها على رفع العلاقات مع روسيا إلى مستوى أعلى".
واوضح ان الأوروبيين اكثر تفهما من الأميركيين لموقف موسكو من قضية الاستقرار الاستراتيجي في العالم. وايضا ما يتعلق بمعاهدة الدفاع المضاد للصواريخ وخطط الولايات المتحدة الرامية إلى إيجاد درع قومية أميركية مضادة للصواريخ. بيد أن إشعار الولايات المتحدة روسيا بعزمها على الانسحاب من المعاهدة من جانب واحد قبيل انتهاء العام الماضي تم التعاطي معه في موسكو برباطة جأش.
ومن بين أسباب رد الفعل الهادئ أن العلاقات الروسية الأميركية في ظل الإدارة الأميركية الجديدة، على رغم بداياتها الصعبة جدا، تطورت لاحقا كثيرا. فسلسلة القمم، بما فيها زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنظيره الأميركي في مزرعته في تكساس، كانت اختراقا أتاح القول بأن روسيا والولايات المتحدة لم تعودا عدوتين، لكن باتتا شريكتين. وروح الوفاق هذه أكدتها موسكو بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر بمساندتها الولايات المتحدة في عمليتها المناهضة للإرهاب. كما انها فعلت الكثير قبل هذا لإزالة "عوامل الإزعاج" من العلاقات الروسية الأميركية. وكانت النتيجة أن تراكمت تجربة إيجابية عظيمة لا يجوز نسيانها.
وقد اعتبر مدير معهد الولايات المتحدة وكندا التابع لأكاديمية العلوم الروسية سرجي روغوف أن "علاقات التحالف الفعلي بين موسكو وواشنطن في مجال مكافحة الإرهاب الدولي يجب الاستفادة منها لتنشيط المشاركة في المناحي الأخرى. وإلا فإن الفرصة المناسبة الحالية الآن لاندماج روسيا بالعالم المتحضر قد تضيع.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل "المغانم" السياسية الخارجية التي حصلت عليها روسيا كافية؟. يعتبر عديد من المحللين الروس أن لروسيا الحق في أن تتطلع الى ما هو أكثر مما هو حاصل. لاسيما أنها تمكنت من تهيئة خميرة للمستقبل, فالمسافة بين "ما تريده" روسيا من تعزيز للتعاون المتبادل و المتكافئ في الحقوق و"ما تستطيعه" تقصر باستمرار.