تحليل: حاجة واشنطن الملحة للنفط تدفعها باتجاه افريقيا

لندن

كثفت الولايات المتحدة الأميركية خلال الفترة الماضية من اهتمامها بنفط القارة الأفريقية بهدف تنويع مصادرها من الطاقة وتقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط المعرض لجملة من المخاطر.
ويرى الخبراء أن اهتمام الولايات المتحدة الكبير بالقارة الأفريقية ومشاكلها يعود إلى مجموعة من الأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهي:

أولاً: وضع اليد الأميركية على مخزون القارة السوداء من النفط وخاصة في المناطق الغربية المطلة على المحيط الأطلسي، ومما أغرى الولايات المتحدة زيادة الكميات المكتشفة في غرب أفريقيا خاصة أن سبعة من أصل ثمانية مليارات برميل نفط اكتشفت عام 2001 في العالم، تقع في غرب أفريقيا. وتم اكتشافها بواسطة التنقيب في عمق البحار، الأمر الذي دفع شركات نفطية أميركية عملاقة، مثل اكسون-موبيل وشيفرون، لإقامة فروعاً ضخمة لها خلال السنوات الأخيرة في خليج غينيا الاستراتيجي.

ثانياً: الحصول على النفط بأسعار مخفضة ذلك أن النفط الأفريقي يتمتع بميزات متعددة بالنسبة للولايات المتحدة فالساحل الغربي لأفريقيا يقع على مسافة قريبة نسبياً من الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ونفقات الشحن أقل من نفقات شحن النفط من الشرق الأوسط، وبحر قزوين وروسيا وغيرها من مناطق الإنتاج في العالم، كما أن طرق الشحن البحرية أكثر أماناً من طرق الشحن من الخليج.

ثالثاً: تنويع مصادر الولايات المتحدة من النفط ففي الوقت الحالي تأتي الكميات المستوردة من أربع مصادر رئيسة هي كندا في المرتبة الأولى بواقع 108 ملايين برميل يومياً، والثانية المملكة العربية السعودية بواقع 104 ملايين برميل يومياً، والثالثة المكسيك 104 ملايين برميل، والربعة فنزويلا بواقع 104 ملايين برميل، والخامسة نيجيريا 900 ألف برميل أو ما نسبته 9.7 في المائة من إجمالي الواردات الأميركية من النفط الأجنبي.

رابعاً: إحكام سيطرة الولايات المتحدة على مخزونات النفط العالمية إلى جانب سيطرتها العسكرية وهو ما يسهل تحكمها في الاقتصاد العالمي واقتصاديات الدول المنافسة بشكل أكبر، فاليابان تستورد 98 في المائة من احتياجاتها النفطية، فيما تستورد أوروبا 52 في المائة من احتياجاتها النفطية، لذلك فليس من المستغرب أن الاضطراب الذي يشهده الشرق الأوسط في الوقت الحاضر مرجعه سعي الولايات المتحدة للسيطرة على النفط العراقي ثاني أكبر الاحتياطات العالمية، وستزداد أهمية النفط في المستقبل إذا علمنا أن الاستهلاك العالمي للطاقة سيرتفع حتى عام 2020 بمعدل 59 في المائة.

خامساً: إيجاد أسواق جديدة للمنتجات الأميركية وتوسيع القديمة منها في القارة بعد تراجع معدلات التجارة مع الدول العربية بسبب المقاطعة وقد قدرت مساعدة وزير التجارة الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مولي وليامسون نسبة انخفاض المبادلات مع الدول العربية بما بين 20 و26 في المائة خلال العام الماضي، بسبب المقاطعة الشعبية الواسعة للسلع الأميركية، كما لوحظ انخفاض نصيب الولايات المتحدة في السوق الأفريقية.
فقد جاء في تقرير لوزارة التجارة الأميركية أن حجم التبادل التجاري مع أفريقيا في العام 1996 لم يتجاوز تسعة مليارات دولار مع 12 دولة فقط في شرق وجنوب القارة.

سادساً: محاصرة النفوذ الأوروبي، فالنفط الأفريقي يشكل محور الخطة الأميركية للسيطرة ومنافسة النفوذ السياسي والاقتصادي الأوروبي في القارة من خلال زيادة الصادرات والاستثمارات الموجهة إليها. وجاء في تقرير لوزارة التجارة الأميركية أن نصيب الولايات المتحدة من السوق الأفريقية لا يزيد عن 7.6 في المائة مقارنة مع 30 في المائة لدول الاتحاد الأوروبي، في حين بلغت الواردات الأميركية من أفريقيا 15.2 مليار دولار مما يعني أن الولايات المتحدة تعاني عجزاً كبيراً في الميزان التجاري مع أفريقيا في حين تتمتع معظم دول أوروبا الغربية بفائض كبير من الميزان التجاري مع القارة، الأمر الذي يكشف الاهتمام الأميركي بأفريقيا بهدف إزاحة أو تقليل النفوذ الاقتصادي الأوروبي فيها. احتياطيات القارة

لا توجد أرقام جديدة لاحتياطات القارة من النفط الخام إلا أن بعض التقديرات السابقة تشير إلى أنها تبلغ نحو 6 في المائة فقط من الاحتياطات العالمية المثبتة.
أما الدول التي تركز عليها الولايات المتحدة فتقع في وسط وغرب القارة وهي أنغولا والكونغو والغابون وتشاد والكاميرون ومؤخراً انتقل اهتمام الولايات المتحدة إلى السودان التي تقدر احتياطاتها النفطية في الوقت الحاضر بنحو 1.25 مليار برميل.
وأشار تقرير صدر عن الكونجرس إلى مشروع خطة لاعتبار "خليج غينيا" وهو شريط ساحلي مليء بالنفط بين أنجولا ونيجيريا "منطقة اهتمام حيوي" للولايات المتحدة بناء على المعلومات التي تفيد بغنى المنطقة الفعلي بالنفط، حيث أن إنتاج المنطقة النفطي يتعدى 5.4 مليون برميل يومياً وهي كمية تزيد على مجمل إنتاج فنزويلا وإيران والمكسيك.
كما أن أنجولا تعد تاسع أكبر مصدر للنفط في العالم حيث يقل الإنتاج قليلاً عن مليون برميل يومياً، إضافة إلى أن خليج غينيا يشمل مجموعة دول أخرى تنتج مئات الآلاف من البرميل يومياً بصورة تتعرض للارتفاع المستمر مثل غينيا الاستوائية، وتشاد، والكاميرون، والغابون. أما عن تشاد، فبحلول عام 2003 ستبدأ في ضخ نحو 250 ألف برميل في اليوم الواحد ويفسر ذلك قيام شركة إكسون موبيل الأميركية باستثمار ضخم في التنقيب عن النفط في حقول "دوبا" بما يقدر بأربعة مليارات دولار.
وأكد بول ميكائيل ووبي مدير المعهد الأميركي للدراسات الاستراتيجية المتقدمة في كلمته التي ألقاها في ندوة "النفط الأفريقي وأولوياته الأمنية للولايات المتحدة والتنمية في أفريقيا" التي عقدت في السادس من تموز (يوليو) الماضي بلاجوس - نيجيريا، أن المؤشرات والأرقام والإحصاءات الصادرة من الإدارة الأميركية لشؤون النفط والطاقة تؤكد عمل كافة الترتيبات لرفع نسبة الاستيراد الأميركي من النفط الأفريقي إلى 50 في المائة من مجموع النفط المستورد بحلول العام 2015. تزايد حاجة الولايات المتحدة للنفط تصنف الولايات المتحدة الأميركية ضمن الدول الكبرى المنتجة للنفط والمستوردة له في نفس الوقت، فهي ثالث دولة منتجة للنفط في العالم لكن نصيبها من احتياطات النفط العالمية المثبتة لا يتجاوز 2 في المائة، وهي أيضاً أكبر دولة مستهلكة للنفط في العالم.
وبحسب الأرقام الصارة مؤخراً عن وزارة الطاقة فإنها تستهلك نحو 19 مليوناً و366 ألف برميل يومياً، أي ما يعادل ربع إجمالي استهلاك العالم من النفط الخام، سيرتفع إلى نحو 26 مليون برميل يومياً بحلول عام 2020، تستورد منه نحو 11 مليوناً و600 ألف برميل يومياً، أي ما يعادل 54 في المائة من مجمل استهلاكها من النفط، وهذه الكمية سترتفع إلى أكثر من 16 مليون برميل يومياً بحلول العالم 2020، وإلى أكثر من 20 مليون برميل يومياً بعد عام 2030 وذلك نتيجة اتجاه الإنتاج المحلي في الولايات المتحدة إلى الانخفاض لنحو يقدر بخمسة ملايين برميل يومياً بحلول عام 2020 بسبب نضوب الحقول الحالية، وعدم اكتشاف حقول جديدة.
لذلك فإن الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق هدفين معاً هما الأول: تأمين حصولها على النفط ضمن ظروف وشروط تدعم النمو والازدهار الاقتصادي الأميركي، والثاني: ضمان عدم ارتهان صادراتها من النفط للدول المنتجة.
وانطلاقاً من هذه الأهداف جاء اهتمام الولايات المتحدة بالنفط الأفريقي، واعتباره أكثر جاذبية من النفط الروسي الذي كثر الحديث عنه خلال الفترة الماضية كمنافس لنفط الشرق الأوسط، وفي هذا السياق قالت صحيفة التايمز البريطانية "إنه بالنسبة للولايات المتحدة يقدم منتجو خليج غينيا الأفريقي مصدر طاقة أكثر جاذبية من روسيا، ذلك إن نيجيريا قريبة من المصافي الأميركية على الساحل الشرقي ومن خليج المكسيك". منافسة نفط الخليج يرى الخبراء أن إمكانية منافسة النفط الأفريقي لنفط الخليج ضعيفة، وذلك لاعتبارات عديدة منها أن الاحتياطات المكتشفة حتى الآن ليست كبيرة فهي لا تتجاوز 6 في المائة فقط، كما أن الكميات المنتجة من النفط الأفريقي ما تزال قليلة إذا ما قيست بمناطق الإنتاج الرئيسية في العالم إذ لا يتجاوز الإنتاج الحالي نحو 4 ملايين برميل يومياً، وأن زيادة الإنتاج في القارة يتطلب استثمارات ضخمة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، بالإضافة إلى توفير الأجواء السياسية والأمنية اللازمة، فالقارة الأفريقية تشهد حروباً متواصلة، وقد ساهمت الولايات المتحدة في 25 حرباً منها خلال العقد الأخير.
كما أن الإنتاج الذي يمكن أن ترفد به القارة السوق العالمية سيتلاشى مع تزايد الطلب العالمي على النفط حسب التقارير الدولية، وأخيراً فإن نفط الخليج الذي يشكل ثلثي احتياطات النفط العالمية المثبتة يعتبر أقل تكلفة من ناحية الإنتاج وأقرب إلى الأسواق الآسيوية التي تتنامى احتياجاتها النفطية يوماً بعد آخر.
وبكلمة أخيرة إن الولايات المتحدة تسعى بكل ما أوتيت من نفوذ وقوة للاستحواذ على النفط الأفريقي ووضع اليد بعيداً عن مصالح الدول الأفريقية وشعوبها البائسة، فالولايات المتحدة لا تسعى إلى تأمين إمدادات متعددة ومستقرة من النفط إلى أسواقها والأسواق العالمية كما تزعم، وفي إطار حفظ حقوق جميع الأطراف، وإنما تسعى إلى السيطرة على مكامن النفط الرئيسية في العالم ومنها النفط الأفريقي لتمسك بهذا السلاح الاستفزازي وتضغط به على مختلف الدول وبما يتناسب ومصالحها الاستراتيجية دون مراعاة لمصالح غيرها بما في ذلك مصالح الدول المنتجة، لذلك فمن المتوقع أن تشهد المناطق النفطية وفي مختلف المناطق المزيد من الصراعات العسكرية والاضطرابات السياسية والاجتماعية في ظل الوجود الاميركي المتزايد. (قدس. برس)