تحليل: جولة تشيني الأخيرة أظهرت لأميركا حدود نفوذها

موسكو - من دميتري كوصيريف

كان واضحا عشية سفر نائب الرئيس الأميركي ريتشارد تشيني إلى أوروبا والشرق الأوسط أن استعراضا لاستعداد الحلفاء لحرب ضد العراق لن يتم. فقد كانت هناك قبل ذلك تصريحات لحكومات أساسية حول هذا الموضوع في السعودية وتركيا وألمانيا وغيرها.
ولذا أجرت الدبلوماسية الأميركية على جناح السرعة تعديلا للأهداف وتغييرا لنقاط التركيز بحيث تتحول جولة تشيني إلى مشاورات أميركية عربية وأميركية أوروبية ذات مواضيع مختلفة.
وتحتل مشاكل الشرق الأوسط رأس قائمة الاهتمامات بالنسبة للولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن الدول العربية تتخذ مواقف مختلفة من الحكومة العراقية، فقد قيل بوضوح لتشيني في كل العواصم الثماني التي زارها إن العرب لا يريدون حتى التحدث عن حرب مع العراق، وهم في المقابل يرغبون التحدث بجدية مع أميركا حول أمور أخرى، ليس آخرها القضية الفلسطينية.
قبل جولة تشيني كان الخبراء وحدهم ربما يتصورون جدية الخلافات بين الولايات المتحدة والسعودية، البلد المفتاح لأية عمليات ضد العراق نظرا لطول خط الحدود بينهما.
وهم يرون ان إنجازا تحقق من زيارة نائب الرئيس الأميركي في أن الحاكم الفعلي للسعودية الأمير عبدالله وافق أخيرا على زيارة الولايات المتحدة وهو الذي رفض دعوتها في حزيران/يونيو العام الماضي بسبب الدعم الأميركي لإسرائيل في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية.
ومع ذلك يرى الخبراء أن معالم صفقة أميركية محتملة مع العرب باتت تظهر بوضوح أكبر في السعودية بالذات، وتفترض هذه الصفقة أن يتخلى الأميركيون عن العملية العسكرية ضد بغداد إذا لم تسمح الأخيرة بعودة مفتشي الأمم المتحدة إلى العراق وأن يلجأوا إلى أساليب أخرى اكثر سرية لقلب نظام الحكم في العراق. وفي هذه الحالة يقدم العرب بعض المساعدة للأميركيين. ولكن هذا لن يحصل هو الآخر إلا إذا لجم الأميركيون حليفهم التقليدي في الشرق الأوسط إسرائيل ودفعوه إلى السلام مع فلسطين وإن كان هذا يفترض تبديلا في القيادة الفلسطينية الحالية.
لنتذكر أن واشنطن اضطرت إبان الحرب الماضية مع العراق إلى أن تدفع غاليا ثمن مشاركة البلدان العربية الرئيسية في الحرب. فقد وافق العرب على الحرب ضد العراق بمقابل حل القضية الفلسطينية.
وبناء عليه عقدت في التسعينات اتفاقيات أوسلو وكامب ديفيد وغيرها، ولكن لا يعتقد أن بالامكان ان يتاح للولايات المتحدة أن تستعيد تلك التجربة.
فاتفاقات أوسلو عقدت بفضل تنازلات جدية من قبل الفلسطينيين بالمقارنة مع قرارات الأمم المتحدة المعروفة، وقد رأى الفلسطينيون في المضي في توسيع رقعة المستوطنات اليهودية على حساب الأراضي الفلسطينية وغير ذلك من الخطوات خديعة وحرمانا لهم حتى مما دفعوا ثمنه ضحايا كثيرة وفي هذا يكمن سبب قيام الانتفاضة المستمرة منذ سنة ونصف.
إن خطة الأمير عبدالله تعني العودة لا إلى اتفاقات أوسلو، بل إلى القرار الدولي رقم 242. فقد اقترح الأمير عبدالله أن تعترف الدول العربية كلها بإسرائيل وتعقد معها صلحا بمقابل أن تعيد هذه إلى العرب كل الأراضي التي احتلتها عام 1967.
وإذا أجبر الأميركيون تل أبيب على القبول بهذه الخطة وتنفيذها أمكن آنئذ التكلم عن مهاجمة العراق.
وكما نرى أوجدت واشنطن لنفسها في المنطقة في العقد الماضي من السنين مشاكل خطيرة جدا ولم تفعل جولة تشيني سوى تسليط الضوء عليها.
فأفغانستان والعراق ليسا سوى مظهرين هامشيين لمشكلة الولايات المتحدة الرئيسة ألا وهي مشكلة علاقتها بالعالم الإسلامي ككل. فمن الصعب جدا الآن القول كيف تعتزم إدارة بوش حل هذه المسائل الجذرية بالنسبة إليها. ويعتقد الخبراء العرب أن الحرب مع العراق ستبدأ هذا الصيف لا محالة، وإن كانت ثمة تعديلات كثيرة بعد زيارة تشيني للمنطقة. ولكن لأجل بدئها لا بد لواشنطن من تقويم وجهين للمشكلة هما الوجه العسكري ومسألة النفط.
وبالنسبة إلى النفط معلوم أن العراق ثاني بلد في العالم بعد السعودية من حيث احتياطي النفط. ومن المعتبر أن البديل عن الحرب أي إلغاء العقوبات المفروضة على العراق يزيد من تزويد اسواق العالمية بالنفط والغاز، وهذا ما سيخفض سعريهما.
وعليه فإن المنطق يقول أن إلغاء العقوبات أكثر فائدة لأميركا من الحرب، بينما يجب أن يفضل كل من روسيا والعرب الحرب مع العراق إذ إن العمليات الحربية قد ترفع من سعر الوقود والطاقة بشكل كبير.
ونمو الاقتصاد الأميركي يمكن أن يؤثر فيه فعلا سير العمليات الحربية ضد العراق، وهي عمليات قد تنحو منحى غير الذي تشتهيه الولايات المتحدة.
فالعملية التي لم تنته بعد في أفغانستان كليا تبدو مثابة نزهة أطفال بالمقارنة مع حرب جديدة محتملة في العراق. أما على الصعيد الدولي فجولة ريتشارد تشيني تدل على أنه إذا أعطت أفغانستان جورج بوش تحالفا عالميا فإن العراق مسألة أخرى تبدو فيها بوضوح حدود جبروت السياسة الخارجية الأميركية. الكاتب هو المعلق السياسي لوكالة "نوفوستي" الروسية