تحليل: تدخل شرويدر لانقاذ الشركات الالمانية يؤكد اهمية دور الدولة

برلين - من اندرو مكاتي
شيرودر يؤمن بان نظام السوق لا يعني الغاء دور الدولة في مساندة القطاع الخاص

بعد أربعة أعوام من توليه قمة السلطة في أكبر اقتصاد أوروبي، أصبح التدخل في قطاع الاعمال من السمات المميزة للاسلوب السياسي للمستشار الالماني جيرهارد شرويدر، الذي كثيرا ما يحاول إبراز نفسه على انه نصير العمال الالمان.
وكانت شركة التليفونات الالمانية العملاقة "دويتشه تيليكوم" هي آخر شركة تجد نفسها وسط بؤرة الضوء السياسي حيث استقال رئيسها التنفيذي رون سومر بعد حملة استغرقت أسبوعين واستهدفت إزاحته من منصبه في هذه المؤسسة العامة التي كانت تحتكر سابقا قطاع الاتصالات التليفونية.
وبعد بداية مهتزة لولايته كمستشار، كانت خطوة شرويدر المثيرة بإلقاء حبل نجاة لمؤسسة فيليب هولتسمان للبناء المحاصرة بالمشاكل في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1999 هي التي كان لها الفضل في المساعدة على تحول المد السياسي خلفه وأبعدت عنه النقاد اليساريين داخل حزبه الاشتراكي الديمقراطي. وقد تمثلت خطوة شرويدر آنذاك في منح الشركة 125 مليون يورو (125.8 مليون دولار) لانقاذها من الافلاس.
والان وبنفس الاسلوب إلى حد بعيد، استغلت حكومة شرويدر سلطتها باعتبارها أكبر مالك لاسهم شركة "دويتشه تيليكوم"، في المساعدة على إحداث تغيير في قمة أكبر شركة تليفونات أوروبية، وبالتالي دعم أصواتها بين ثلاثة ملايين من حملة أسهم الشركة قبل الانتخابات العامة في أيلول/سبتمبر القادم.
ومع فقدان أسهم تيليكوم لحوالي 90 بالمائة من قيمتها منذ موجة الازدهار التي شهدها قطاع التكنولوجيا العالية في آذار/مارس من عام 2000 تأمل حكومة شرويدر في أن يؤدي التغيير في إدارة تيليكوم إلى المساعدة على ارتفاع سعر السهم لصالح الساخطين من صغار حملة أسهم الشركة.
وبرغم انتعاش أسهم تيليكوم وارتفاع سعرها بنسبة تزيد على سبعة بالمائة في التعاملات في أول يوم بعد استقالة سومر، ليصل إلى 10.78 يورو، إلا أن هذا السعر مازال أقل كثيرا من سعر الاصدار عندما تمت خصخصة الشركة السابقة التي كانت تحتكرها الحكومة في تشرين الثاني نوفمبر من عام 1996 وهو 28.50 مارك أو 14.60 يورو.
وفي نفس الوقت فإن مرشح المعارضة ادموند شتويبر الذي يأمل في انتزاع المستشارية من شرويدر في أيلول/سبتمبر، يسعى جاهدا لربط حكومة برلين الحالية بالاداء الضعيف الاخير لاسهم تيليكوم.
غير أن رئيس اتحاد الصناعة الالماني مايكل روجوفسكي هاجم بعنف كلا من الحكومة والمعارضة حول ما وصفه "بتدخلهما" في تيليكوم، قائلا "إن سياسة شرويدر وآخرين، وعلى سبيل المثال، السيد شتويبر، لم تلعب دورا جيدا".
وكان شرويدر قبل عدة أسابيع فقط قد تدخل في محاولة لصياغة صفقة إنقاذ لمجموعة "بابكوك بورسيج" الهندسية التي تعاني ماليا والواقعة في أحد معاقل الحزب الاشتراكي الديمقراطي بأكبر ولاية ألمانية وهي ولاية شمال الراين-وستفاليا.
وفي وقت سابق هذا العام، ومع بروز مؤشرات على تعرض إمبراطورية الاعلام القوية في ميونيخ التي يمتلكها رجل الاعمال ليو كيرش لخطر التفسخ، دعا شرويدر إلى عقد اجتماع لرؤساء البنوك الرائدة والمؤسسات الاعلامية في ألمانيا للنظر في إيجاد ما يسمي بحل وطني لازمة كيرش.
وفي الوقت الذي قد تؤدي فيه تدخلات شرويدر إلى مساعدته على الظهور كنصير ومدافع عن المواطن الالماني العادي في مواجهة القوي التي أطلقت العولمة لها العنان، إلا أن تدخله في شئون القطاع الخاص الالماني يحمل أيضا بعض الخطر.
فبعد عامين ونصف العام من استطاعة شرويدر إقناع البنوك بالانضمام إلى خطة إنقاذ لشركة هولتسمان، لم تفلح هذه الخطة في النهاية من انتشال هذه الشركة التي يرجع تاريخها إلى 152 عاما مضت من مصيرها المحتوم أمام إحدى محاكم الافلاس. ونفس الوضع انطبق تماما على مجموعة كيرش وبابكوك بورسيج.
وقد يستمر شرويدر في الاستمتاع بمعدلات التأييد القوية لشخصه في استطلاعات الرأي، إلا أن إفلاس كيرش وبابكوك بورسيج وهولتسمان تؤكد حدود سلطته.
وبطريقة مماثلة فإنه باستبدال سومر برئيس تنفيذي مؤقت فقط على رأس تيليكوم، يكون هناك خطر في أن تتزايد حالة التبرم والضيق في الاسواق من الحلول المؤقتة لمشاكل الشركة، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض سعر السهم ثانية.
ولكن من المؤكد ان تدخل شرويدر لانقاذ الشركات الالمانية هو افضل خيار للمواطنين الالمان الذين يعملون بها، وهو ايضا افضل خيار له من الناحية السياسية. وهو يؤكد ان فكرة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي لا غنى عنها. حتى الولايات المتحدة التي تشدقت كثيرا بالحرية الاقتصادية واهمية الدفاع عنها تخلت عن كل هذه الشعارات عندما اصطدمت بمصالحها. وبرز هذا بوضوح في قيامها بحماية صناعة الصلب بها، وفي تقديمها دعم كبير لقطاع الزراعة كانت تطالب اوروبا بالغائه من قبل.