تحليل: تخفيض سعر الفائدة فشل في علاج مشكلات الاقتصاد الاميركي

لندن
خسائر البورصة الاميركية بلغت اكثر من ثمانية آلاف مليار دولار!

يشير القرار الذي أقدم عليه رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) آلان جرينسبان في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري بخفض نسبة الفائدة على الدولار بمقدار نصف نقطة وذلك من 1.75 إلى 1.25 في المائة على أن الاقتصاد الأميركي لم يستطع خلال الأحد عشر شهراً الماضية الخروج من دائرة الكساد الكبيرة الذي يمر به رغم المحاولات العديدة التي بذلت للخروج من حالة الكساد وتحفيز النمو الاقتصادي خلال هذه الفترة.
وفيما يؤكد العديد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين أن الخفض كان متوقعاً ولكنه تأخر كثيراً، وربما لأهداف انتخابية، وهو ما يفسره مقدار الخفض الكبير الذي بلغت قيمته نصف نقطة (0.5 في المائة) في حين كانت التوقعات تشير إلى أن الخفض سيكون بمقدار ربع نقطة مئوية (0.25 في المائة)، فإن آخرين يشككون في نجاح هذا الخفض في تحقيق ما فشلت في تحقيقه التخفيضات السابقة لأسعار الفائدة، وهو ما أكده استطلاع لرأي عدد كبير من الخبراء، شمل نحو 133 اقتصاديا أجرته وكالة أنباء بلومبيرج المالية، فقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن 71 من الخبراء توقعوا أن يقوم بنك الاحتياطي الفدرالي بخفض سعر الفائدة، بالرغم من اختلاف آرائهم حول مدى الاستفادة التي ستنجم عن ذلك الخفض.
وقالت الاقتصادية العاملة في شركة "بانك وان انفيستمنت أدفايزورز" في مدينة كولومبس بولاية أوهايو كاثي كول وود "لست على ثقة من أن الخفض رقم 12 لسعر الفائدة سينجح في تحقيق ما فشل في تحقيقه الخفض رقم 11". الخفض الثاني عشر يهدف بنك الاحتياط الفيدرالي من عملية تخفيض سعر الفائدة على الدولار بين البنوك إلى تسهيل عملية الاقتراض وجعلها اقل تكلفة، مما يمكن ان يزيد من نمو الاقتصاد الاميركي.
وكانت الاحصائيات قد اظهرت زيادة معدلات البطالة وتراجع ثقة المستهلكين الأميركيين الذين يشكل إنفاقهم ثلثي حجم الاقتصاد الأميركي، وهذا الخفض في سعر الفائدة هو الثاني عشر منها ثماني تخفيضات قبل أحداث أيلول/سبتمبر 2001، وأربعة منها بعده حتى وصل سعر الفائدة حالياً إلى 1.25 في المائة وهو أدنى معدل له منذ عام 1961، وبذلك يبلغ معدل الخفض منذ بدايته وحتى الآن 5.25 في المائة.
وعلى الرغم من عدم نجاح أسلوب خفض الفائدة في زيادة النشاط الاقتصادي، فان استمرار الضعف والتراجع دفع ببنك الاحتياطي إلى إجراء الخفض الجديد لتشجيع المستثمرين على الاقتراض وإقامة المشاريع الجديدة، وخاصة بعدما أثبتت البيانات والتقارير الاقتصادية استمرار تراجع نشاط الاقتصاد الأميركي خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري.
وجاء في تقرير لبنك الاحتياط الفيدرالي أطلق عليه اسم "الكتاب البيج" والذي يستند إلى عمليات إحصاء يقوم بها 12 بنكاً إقليمياً، أن مبيعات التجزئة تضررت في كل أنحاء البلاد بما في ذلك مبيعات السيارات التي شهدت زيادة في السابق، وقال التقرير إنه بالنسبة للمصنعين، فإن الظروف ما تزال "صعبة وراكدة وبطيئة".
وأوضح التقرير أن عملية إنشاء المنازل "إيجابية، بالرغم من تسجيل ضعف في بعض المناطق، كما أن معدلات الرهن العقاري الحالية هي الأقل من نوعها منذ أوائل السبعينيات. وأكد التقرير أيضاً "أن أسواق العمل تفتقد إلى الحيوية، الأمر الذي زاد من معدل البطالة، لكن التقرير أشار إلى أن معدل التضخم مازال منخفضاً.
وجاء في تقرير آخر لوزارة التجارة الأميركية أنه نتيجة لتراجع النشاط الاقتصادي منذ آذار/مارس الماضي ارتفع عدد الفقراء في الولايات المتحدة إلى 33 مليون شخص، وأضاف التقرير أن نسبة الأميركيين الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفعت من 11.3 في المائة العام الماضي لتبلغ 11.7 في المائة بعد تراجع استمر طوال أربع سنوات، مما يعني أن هناك 32.9 مليون أميركي من بين 285 مليوناً عدد سكان الولايات المتحدة يعيشون تحت خط الفقر، بدخل يومي قدره 18.14 دولاراً لعائلة مؤلفة من أربعة أشخاص.
وفي السياق ذاته قال دانيال وينبرج المسؤول في مكتب الإحصاءات الأميركية إن التطورات الراهنة في أعداد الأميركيين الذي يعيشون تحت خط الفقر تتزامن مع فترة ركود اقتصادي تشهده الولايات المتحدة على غرار الارتفاع الأخير لمعدلات الفقر في 1991-1992 والتدني الأخير للدخل العائلي في 1990-1991.
ومن الأسباب التي ساهمت في قرار الخفض أيضاً تفاقم المخاطر الجيو-سياسية واستمرار موجة القلق من النتائج السلبية لحرب محتملة ضد العراق، وهو ما أكده مركز الاحتياطي الفدرالي في بيان له جاء فيه: "أن هنالك قلق متنام حيال الأثر الذي ستتركه حرب محتمله ضد العراق على الاقتصاد الأميركي بشكل خاص والاقتصاد العالمي بشكل عام".
وأضاف بيان الاحتياطي الفدرالي: "أن اضطراباً متزايداً، يُعزى جزئياً إلى مخاطر جيو-سياسية متعاظمة، يعيق حالياً الإنفاق، والإنتاج وفرص العمل في الولايات المتحدة".
ولكن البيان حذر من أن الخفض الأخير قد يكون آخر خفض في نسب الفائدة لبعض الوقت، مضيفاً أن الاحتياطي الفدرالي يعتقد بأن المخاطر "متوازنة" حالياً ما بين مخاطر التضخم ومخاطر كساد آخر بينما يمضي الاقتصاد شاقاً طريقه عبر "النقطة الرخوة" الحالية. تداعيات خفض الفائدة ومقابل الجوانب الإيجابية المحتملة لخفض سعر الفائدة فإن هناك جوانب وتداعيات سلبية، نذكر منها:
أولاً: تراجع قيمة الدولار أمام العملات الرئيسية، فبعد قرار مجلس الاحتياط الفيدرالي بخفض الفائدة انخفض الدولار لأدنى مستوى له امام اليورو في ثلاثة أشهر، وتجاوز سعر العملة الأوروبية الموحدة في بورصة ‏‏فرانكفورت الألمانية حدود الدولار الأميركي.
وانخفض الدولار أمام الين الياباني إلى أدنى مستوى في شهرين متجاهلاً تحذيرات من هاروهيكو كورودا نائب وزير المالية الياباني من أن صعود الين غير مقبول على الإطلاق، كما انخفض دون 1.44 فرنك سويسري لأول مرة منذ تموز/يوليو، ونزل لأدنى مستوى له في عامين ونصف عام أمام الجنيه الإسترليني.
ويرى الخبراء أن معنويات السوق تجاه الدولار تتدهور وسط مؤشرات منها تزايد احتمالات نشوب حرب بين العراق والولايات المتحدة وفروق أسعار الفائدة واتساع عجز ميزان المعاملات الجارية في الولايات المتحدة.
مع الإشارة هنا إلى أن اليورو أصبح من أكبر منافسي الدولار في العالم حيث تتجه العديد من الدول إلى اعتماده مرجعية لمعاملاتها مكان الدولار. وتعتبر هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 النقلة الأمامية الأولى لليورو أمام الدولار، الذي ازداد ارتفاعاً إبان الحرب في أفغانستان وواصل ارتفاعه نتيجة استمرار التهديدات الأميركية بضرب العراق. ونتيجة لهذا التراجع يلوذ العديد من المستثمرين بعملات أجنبية أخرى مثل الجنيه الإسترليني والفرنك الفرنسي واليورو، بالإضافة إلى المعدن الأصفر الذي شهداً ارتفاعاً في سعره نتيجة الإقبال عليه.
ثانيا: هروب الاستثمارات باتجاه المناطق التي ترتفع فيها معدلات الفائدة عن تلك السائدة في الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تستقبل منطقة اليورو القسم الأكبر من الاستثمارات الدولية وذلك للفراق الواضح في أسعار الفائدة، فبعد قرار الاحتياط الفيدرالي بتخفيض الفائدة على الدولار قرر البنك المركزي الأوروبي إبقاء الفوائد ‏‏الرئيسية للعملة الأوروبية الموحدة على ما هي لتبقى عند 3.25 في المائة أي أن الفرق هو نحو 2 في المائة وهو فرق كبير.
وفي بريطانيا قررت لجنة السياسة النقدية التابعة للمصرف المركزي البريطاني الإبقاء على سعر الفائدة على الجنيه الإسترليني عند 4 في المائة بالرغم من الضغوط المتزايدة التي تدعو إلى خفض الفائدة، لكن البريطانيون يخشون من أن يؤدي الخفض إلى ارتفاع التضخم، وبهذا يكون سعر الفائدة في بريطانيا ثابتاً لمدة 12 شهراً لأول مرة منذ عام 1966. وكانت لجنة السياسة النقدية قد خفضت سعر الفائدة العام الماضي 2 في المائة، وأحدث خفض لسعر الفائدة كان في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2001. عمق ازمة الاقتصاد الاميركي إن الاستمرار بسياسة تخفض سعر الفائدة لهذا المستوى المتدني لإنعاش الاقتصاد الأميركي، وعدم تحقيق نتائج واضحة حتى الآن يؤشر إلى عمق الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الأميركي منذ تولي الرئيس جورج بوش الابن لمقاليد السلطة في الولايات المتحدة، والتي ظهرت بوضوح في سلسلة من الأزمات والفضائح التي أسفرت عن موجة من الإفلاس في كبريات الشركات الأميركية وسلسلة الانهيارات التي شهدتها، والخسائر الباهظة التي تكبدها حملة الأسهم والسندات المالية في بورصة وول ستريت، حيث تشير التقديرات التي أوردها الاتحاد الدولي لأسواق المال أن الخسائر قد طالت 80 مليون من المستثمرين الأميركيين وأن حجم الخسائر تجاوز 8.6 تريليون دولار (اكثر من ثمانية آلاف مليار دولار).
إن الخروج من الأزمة الاقتصادية لن يكون بإشعال المزيد من الحروب وتدمير الدول ونهب خيراتها وثرواتها ووضعها تحت نير صندوق النقد الدولي وشروطه وبرامجه القاسية، بل إشاعة الاستقرار في أرجاء العالم وأخذ مصالح الشعوب والدول بعين الاعتبار ووفق معايير دولية واحدة، فسياسات تدمير اقتصاديات العديد من دول العالم وصلت أخيراً إلى الاقتصاد الأميركي، وبات بدوره يعاني من ازمة عميقة لا مخرج سريع منها. (قدس.برس)