تحليل: بوش يخشى ان يطيح به الكساد كما اطاح بابيه

واشنطن - من هربرت وينكلر
هل يكرر بوش سيناريو الصعود والهبوط الذي لعب ابوه بطولته من قبل؟

يبدو ان الرئيس الاميركي جورج بوش لا يكرر فقط القسم الذي أداه أبوه قبله عند دخوله البيت الابيض، بل يكرر ايضا سيناريو صعود وهبوط مر على ابيه قبله.
فقد شهد الرجلان ارتفاع شعبيتهما إلى عنان السماء خلال الصراعات العسكرية، أولا أثناء حرب الخليج والان في الحرب على الارهاب. وبعد ذلك كان عليهما أن يواجها الركود الاقتصادي في الداخل.
وبالنسبة لبوش الاب، أدت الازمة المالية إلى سقوطه السياسي. والان يتساءل المحللون ووسائل الاعلام والبيت الابيض ما إذا كان أبنه سوف يواجه نفس المصير.
وكان عنوان الموضوع الرئيس في مجلة نيوزويك الاسبوع الجاري هو "من شابه أباه فما ظلم".
وشهد الرئيس الحالي انخفاض شعبيته بسبب معالجته للقضايا الاقتصادية في الوقت الذي يقود فيه حزبه الجمهوري، المساند باستمرار لرجال الاعمال، إلى انتخابات برلمانية صعبة في تشرين الثاني/نوفمبر. ويحاول بوش ومستشاريه جاهدين أن يتجنبوا أن تؤدي أزمة الثقة في أسواق المال، والتي نجمت عن العديد من الفضائح المحاسبية في كبريات الشركات الاميركية، إلى أزمة ثقة في الرئيس هو الاخر.
ووجه اللوم لبوش، وهو مدير سابق لشركة نفط، وذلك لعلاقته الوثيقة بكبار الشركات. كما وجه نقدا شديدا الى وزير خزانته أونيل بسبب عجزه وعدم قيامه بأي إجراء فيما يتعلق بفضائح المحاسبة في الشركات الاميركية العملاقة، والتي بدأت بمؤسسة إنرون في أواخر العام الماضي.
ولكن في الوقت الذي وجهت فيه الاتهامات لشركة بعد الاخرى وبدأ الاقتصاد الاميركي يخرج بصورة غير متوازنة من حالة الركود، بدأت الاسهم في وول ستريت تنهار، مما أدى إلى انهيار أسواق البورصة حول العالم.
وتذكر الجمهور النغمة الشهيرة لبيل كلينتون الرئيس الاميركي السابق والتي أدت إلى خروج والد بوش من البيت الابيض "إنه الاقتصاد، ياغبي".
وبدأ بوش يتحدث علنا الشهر الماضي بعد أن كشفت مؤسسة وورلدكوم للاتصالات العملاقة عن عمليات تزوير بمبلغ 3.85 مليار دولار ادت إلى أكبر إفلاس في تاريخ الولايات المتحدة، وتفوقت على فضيحة إنرون.
ويقوم مستشارو بوش بنفض الغبار عن المذكرات الموجودة من أيام أبيه في البيت الابيض لكي يتجنبوا الاحساس بأنهم قد مروا بنفس الموقف من قبل. فقد حقق الرجلان شعبية وصلت إلى 90 في المائة، جورج بوش بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، كما حققها جورج بوش الاب بعد حربه مع العراق.
وبينما شهد بوش الاب شعبيته تنخفض إلى 29 في المائة أو أقل بعد عام من نهاية الحرب مع زيادة حالة الكساد، لا زال أبنه يتمتع بشعبية تصل إلى 67 في المائة. ولكن السؤال هو إلى متي سيتمتع بهذه الشعبية؟.
وطوال فترة رئاسته، أكد بوش الابن على مكانه بين الناس البسطاء الذين يعيشون في المدن الصغيرة في أميركا، أما أبيه فقد كان يتخذ صورة أحد علية القوم الذين ليس لديهم اهتمام كبير بالتعاطف مع الاسر البسيطة التي تكافح خلال الركود.
ويسعى الابن للعثور على النغمة الصحيحة لمعالجة المشاكل الاقتصادية. وأكثر من 50 في المائة من الاميركيين لديهم استثمارات في البورصة، وهي في الغالب كل مدخرات تقاعدهم.
وخلافا لما كان عليه الامر في الحرب ضد الارهاب، لا يقدم بوش نهجا واضحا للجمهور الاميركي. وبعد كل خطبة من خطبه الكبرى بشأن الاقتصاد، ينخفض مؤشر داو جونز في بورصة نيويورك. كما يشهد بوش انخفاض شعبيته بشأن الاداء الاقتصادي من 52 في المائة في منتصف تموز/يوليو إلى 40 في المائة الان.
ويعترف حتى منتقدو بوش بأن رجال السياسة ليس لهم تأثير كبير على توجهات المستثمرين، ولكنهم يشيرون إلى ثلاث عوامل داخلية تؤدي إلى انخفاض شعبية بوش في الاستطلاعات وهي:
المواقع القيادية السابقة التي كان يستمتع بها هو ونائبه ديك تشيني في مجال الصناعة. ووعوده بملاحقة المسئولين في فضائح المحاسبة التي تراجع عنها فيما بعد حين دعا إلى اتجاه أكثر حذرا. وافتقاره إلى فريق قوي من المستشارين في مجال السياسة الاقتصادية.
وقد دعا الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء إلى استقالة هارفي بيت، المسئول عن شئون الاوراق المالية في إدارة بوش. ولم يدل وزير الخزانة أونيل أو كبير المستشارين الاقتصاديين لبوش لورانس لندسي بأي بيانات أو يظهرا قيادة قوية في الازمة المالية.
وبدلا من ذلك أدلى أونيل بتصريحات خرقاء حول عجز الموازنة الاميركية المتزايد وسعى إلى أن يكون خارج البلاد مع تفاقم الازمة، حيث أولا اتجه إلى أفريقيا في أيار/مايو ثم اتجه إلى وسط آسيا في الوقت الذي راح فيه وول ستريت يتدهور.
وقال أونيل لوكالة أنباء بلومبرج المالية في الاسبوع الماضي "إنني مندهش أن أحد ما يهتم بما أفعله".
أما الشائعات التي ترددت حول استقالة أونيل فكان الرد عليها هو إعلان بالثقة من الرئيس، الذي واصل التأكيد على الاسس القوية للاقتصاد الاميركي، وهو ما يثير كثيرا من السخرية بين الاميركيين بشكل عام.
غير أن موجة جرائم الشركات تستمر في تهديد موقع الجمهوريين قبل انتخابات 5 تشرين الثاني/نوفمبر. وهم يحتفظون بغالبية في مجلس النواب وأن تكن ستة مقاعد فقط، ولكنهم يتخلفون عن الديمقراطيين في مجلس الشيوخ بمعدل 49-50 مقعد.
وبعد أن وافق مجلس النواب ومجلس الشيوخ يوم الاربعاء الماضي على تشريعات أكثر صرامة لمنع سوء التصرف والتلاعب في الشركات، قام بوش بحملة حيث دعا المشرعين إلى سرعة تبني مشروع القانون. وقال البيت الابيض أن الرئيس سوف يعجل بتنفيذ القانون في اسرع وقت ممكن.
وقد أدى ورود تلك الانباء إلى جانب أنباء عن اعتقال خمسة مسئولين سابقين بشركة "أدلفيا" للاتصالات التي أعلنت إفلاسها، إلى ارتفاع الاسعار في بورصة نيويورك بشكل محدود.
علاوة على ذلك، أمر بوش وزير الخزانة بول أونيل بأن يبقي في أميركا بدلا من أن يتوجه في رحلة إلى أميركا اللاتينية، حتى يتمكن من التعامل مع المنغصات بعد الانتقادات التي وجهت لدوره الثانوي وكثرة رحلاته أثناء الازمة.
ويأمل الجمهوريون أن يستقر الموقف الاقتصادي خلال الاشهر الثلاثة ونصف المقبلة، حيث يحاول بوش أيضا أن يثبت وجوده والتخلص من كونه "أبن أبيه". باختصار يأمل المحيطون ببوش الا يكرر سيناريو ابيه.. فهل يتغير السيناريو، ام نشهد نفس النهاية؟