تحليل: اميركا خانت الديمقراطية بتأييدها الانقلاب في فنزويلا

واشنطن - من ديف ماكنتاير
«حبيب الفقراء» لا يزال شوكة في حلق واشنطن

يحلو للرئيس الامريكي جورج دبليو. بوش التباهي بأن جميع الدول في نصف الكرة الغربي هي دول ديمقراطية فيما واحدة، وهي كوبا. غير أنه في الاسبوع الماضي عندما بدت إحدى تلك الديمقراطيات في طريقها للسقوط نتيجة انقلاب عسكري على النمط القديم الذي تميزت به أمريكا اللاتينية، أعربت جميع الدول في نصف الكرة الغربي عن شجبها لهذا الانقلاب، فيما عدا دولة واحدة، هي الولايات المتحدة.
وأدى تقاعس بوش عن الوقوف إلى جانب الديمقراطية في فنزويلا إلى مواجهته انتقادات حادة، إذ حذر منتقدوه من أن الادارة الامريكية تجازف بالتضحية بعقد من التقدم السياسي والتطور الديمقراطي على مذبح ازدرائها لهوجو شافيز الذي عاد مرة أخرى إلى سدة الرئاسة في فنزويلا.
ويقول هؤلاء المنتقدون وماذا إذا كان شافيز زعيم يتصف بـ"الغوغائية" و"الاستبداد الغريزي" أو "عدم الكفاءة" أو حتى أنه رئيس "بشع" بالنسبة لفنزويلا وأنه "مصدر إزعاج" للسياسة الخارجية الامريكية؟ ولكنه أتى إلى السلطة بانتخابات ديمقراطية وكان يمكن أن تكون هذه فرصة للولايات المتحدة لكي تقف، برغم كل شيء، إلى جانب احترام حكم القانون والديمقراطية، غير أن بوش أهدر هذه الفرصة.
فالبيت الابيض ووزارة الخارجية الامريكية أصدرا الجمعة الماضي بيانات باهتة، عندما بدا أن شافيز قدم استقالته تحت ضغط المظاهرات العامة وتمرد قام به قادة الجيش، فبدلا من شجب عملية استيلاء عسكرية على حكم مدني، أعلنت الادارة الامريكية أن شافيز قد جلب على نفسه المتاعب.
وبعد أن عاد شافيز إلى الحكم في وقت مبكر الاحد الماضي في حركة مضادة، حثه مسئولو إدارة بوش في هدوء على احترام "العملية الدستورية"، التي لم تكن تعنيهم قبل نحو 48 ساعة فقط.
غير أن المتحدث باسم البيت الابيض آري فلايشر حاول الثلاثاء تبرير بيانات الأبيض ،حيث قال أنها صدرت قبل ساعات من قيام الحكومة الجديدة بحل المجلس التشريعي وإلغاء الدستور.
وقال فلايشر أن رؤساء أمريكا اللاتينية الذين أدانوا استيلاء الجيش على الحكم كانوا يتحدثون في وقت لاحق من ذلك اليوم وبالتالي جاءت إدانتهم ردا على الاحداث التي تلت عملية الاستيلاء على الحكم.
غير أن ذلك التفسير الأميركي الجديد يطرح السؤال التالي: لماذا التزمت الولايات المتحدة الصمت حتى الساعات الاولى من صباح الاحد الماضي، عندما بدا واضحا أنه سيتم إعادة شافيز إلى سدة الحكم؟ ثم أن الادانة الامريكية الوحيدة للانقلاب جاءت في إطار تأييدها المتردد لقرار منظمة الدول الامريكية المتضمن رفض "تغيير الحكومة الدستورية" في فنزويلا.
ويقول ميجيل دياز، مدير فرع شئون أمريكا الجنوبية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الولايات المتحدة "أعمت عينها حاجاتنا ومصلحتنا في أن نرى شافيز خارج السلطة، وأننا آثرنا المستقبل القريب ونسينا للحظة المبادئ في سبيل المساعدة في عملية الاطاحة".
واستطرد دياز قائلا "لقد كان ذلك خطأ. فقد كان ردا قصير الامد ونحاول الان التخفيف من آثار هذا الخطأ على المدى الطويل".
وكتب الناقد المحافظ بول كروجمان في صحيفة نيويورك تايمز "بلا ريب فإن أسوأ شئ في هذا الموضوع هو خيانة مبادئنا الديمقراطية". وقال أن مبدأ "من الشعب وبالشعب ومن أجل الشعب" ليس من المفترض أن تتبعه عبارة "طالما وافق ذلك المصالح الامريكية".
وقال أرتورو فالينزويلا، مدير الدراسات الامريكية اللاتينية بكلية الشئون الخارجية بجامعة جورج تاون، وأحد مستشاري الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون لشئون أمريكا اللاتينية، إن إدارة بوش "يبدو أنها لم تدرك الخطر الذي كان يحدق بفنزويلا".
وكتب فالينزويلا في صحيفة واشنطن بوست قائلا "كنتيجة لذلك فربما تخسر الولايات المتحدة الان الكثير من الزعامة الادبية والسياسية التي نالتها عن استحقاق على مدى العقد الماضي حيث سعت دول الامريكتين إلى إرساء المبدأ الاساسي المتمثل في أن حل المشاكل التي تواجه الديمقراطية لا يتم إلا في إطار ديمقراطي، وليس من خلال اللجوء إلى الوسائل غير الدستورية".
وفي مقال افتتاحي لا يحمل توقيع أحد اعترفت صحيفة نيويورك تايمز أنها، مثل إدارة بوش، رحبت في بادئ الامر بعملية الاطاحة بشافيز على الرغم من "الاسلوب غير الديمقراطي الذي استخدم في الاطاحة به".
وقالت الصحيفة "إن خلع رئيس منتخب بشكل ديمقراطي من منصبه بالقوة، بصرف النظر عن مدى سوء أدائه، هو شئ لا يجب أن يهلل له مطلقا".
وانصب الكثير من الانتقادات على الرسالة غير المقصودة التي ينطوي عليها الرد الفاتر للولايات المتحدة على المحاولة الانقلابية.
وقال كروجمان "لقد صارت أمريكا اللاتينية واحة للديمقراطية ويبدو أن تلك الديمقراطيات تتميز بالرسوخ والقوة بشكل ملحوظ. ومع ذلك فإننا نذكر الجميع هنا بالعهد القديم الكريه عندما كان أي ديكتاتور يرتدي قناع اليمين يعول على دعم الولايات المتحدة له".
وخلص كروجمان إلى القول "حتى لو كان هذا الانقلاب قد نجح، فإن تصرفنا كان سيكون في غاية الحماقة
فنحن حققنا إنجازا طيبا يتمثل في سيادة مناخ جديد من الثقة مبني على القيم الديمقراطية المشتركة في نصف الكرة الغربي. فكيف نهدر كل ذلك في لحظة؟".