تحليل: الموقف الشِّيعي من سوريا... المظلومية لا تتجزأ!

تحرك جبل عامل، متى تتحرك النجف؟

بيروت - في موقف وصف بالمتأخر بادر علماء دين شيعة، من لبنان والعراق، إلى انتقاد الموقف الإيراني الداعم بقوة للنظام السُّوري، وكذلك إلى انتقاد موقف حزب الله، الذي يأتي ضمنياً تابعاً للموقف الإيراني. وترى بعض الأوساط أن هذا الموقف المتأخر فيه نوع من التردد في التصريح باسم حزب الله، مما يشير إلى هيمنته بلبنان، والخشية من ردة فعله ضد منتقديه. وهؤلاء العلماء يدركون، وهم يعيشون داخل لبنان، أن هذا الحزب كان وراء تصفيات عديدة منذ الثمانينيات ضد سياسيين ومفكرين غير سائرين مع الهوى الإيراني، وكذلك النِّظام السوري وهو الذي تأسس على أرض سورية وبحاضنة إيرانية العام 1982.

لكن هناك مَن يرى، على الرَّغم من عدم الصراحة في انتقاد حزب الله في بيانات هؤلاء العلماء، كانت الإشارة واضحة إليه في دعم الثورة السورية، لأن المظلومية التي يتحدث فيها علماء الشيعة تاريخياً لا تتجزأ، وأن الثورات واحدة ضد الأنظمة، التي أتت عن طريق الانقلابات والتصفيات الجسدية، سواء كان الحال بتونس أو ليبيا أو العراق أو مصر، فلماذا يتم تأييد التغيير بالعراق، أو تأييد الثورة الإيرانية سابقاً، بينما يكون الموقف مخالفاً مع الشعب السُّوري؟!

ما زال الموقف الشيعي العلمائي، إن صحت العبارة، دون المستوى المطلوب لعزل الشيعة عن الموقف السياسي الإيراني وحزب الله. فالآن يجري الحديث عن طائفة شيعية بالكامل تقف مع النظام السوري ضد شعبه، بينما وصل الحال في سوريا إلى هدم مدن وإبادات جماعية والشعب يتعرض إلى أحوال سيئة للغاية. استخدم النِّظام في حربه الطيران والدبابات والمدافع، وأن الذي يتصدر محاولة حماية هذا النِّظام هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية والذي يمد بالمقاتلين هو حزب الله. فالسكوت عن توصيف الشيعة بأنهم الضالعون في هذه الأفعال يعني أن هذه الطائفة تحولت ككل لتبعية إيرانية! وعلى هذا جاءت بيانات علماء الشيعة.

مع أن هناك نفراً قليلاً من علماء الشيعة قد وقفوا مبكراً ضد مصادرة الطائفة من قِبل إيران وحزب الله، يوم صرح السيد علي الأمين، العام 2008 ضد ممارسات حزب الله في أوج قوته، بأنه لا يمثل الشيعة ويحاول توريطهم، وندد بتفرده بحيازة السلاح متوازياً مع الجيش اللبناني، وعلى الخصوص بعد الغرور بنتائج معارك 2006 مع إسرائيل. كان الأمين حينها رئيساً للمحكمة الجعفرية في مدينة صور اللبنانية. وبإجراء سريع أقال المجلس الإسلامي الشِّيعي في لبنان السيد الأمين من القضاء، فاضطر إلى السكن ببيروت، في ظروف قلقة، ولم يسمح له بنقل متعلقاته الخاصة. مع ذلك استمر الأمين، بين الحين والآخر، مصرحاً بمثل هذا الموقف، فقد انتقد إيران صراحة في برنامج "إضاءات" الذي يقدمه الإعلامي تركي الدخيل (يناير 2012)، ثم صرح في كلمته التكريمية للبطريرك صفير في بيروت عن قلقه من مصادرة لبنان بجماعة أو حزب، كان ذلك في مارس 2012.

لكن ذلك الصوت ظل منفرداً، حتى جاء متأخراً تصريح السيد هاني فحص الذي أكد على ضرورة إعلان استقلالية الشيعة عن المواقف السياسية في القضية السورية وغيرها، وأن يُصار إلى التضامن الإسلامي في هذه القضية بعيداً عن الطائفية. ثم تلاه تصريح السيد طالب الرفاعي، وهو من علماء الشيعة العرب العراقيين، وكان أحد أبرز مؤسسي حزب الدَّعوة الإسلامية العام 1959 في النَّجف، وممثل المرجعيات الدينية الشيعية في مصر، منذ 1969 وحتى 1985، وقد فرق بوضوح بين الموقف السياسي الإيراني وحزب الله معاً والطائفة الشيعية في الأحداث السورية، لافتاً النظر إلى المخاطر التي ستحيط بالطائفة الشيعة وهي مأخوذة بالولاء لإيران وحزب الله. وما للشيعة سوى أوطانهم.

بيد أن التصريح المشترك الذي صدر من قِبل عالمين شيعيين كان الأول من نوعه في تجاوز الموقف الفردي إلى الموقف الجماعي، جاء في بيان السيد محمد حسن الأمين والسيد هاني فحص، في الموقف من الثورة السورية ما يؤكد على عدم تجزئة المظلومية ولا يجوز الانتقائية فيها. نقرأ في البيان، الذي صدر مؤخراً داخل لبنان، وهذا يعني الكثير ذلك إذا علمنا أن الحضور الإيراني الداعم للنظام السوري في لبنان والمتمثل بحزب الله مازال قائماً، الآتي:

"من دون تفريق بين ظالم وظالم ومستبد ومستبد وشعب وشعب. ندعو أهلنا إلى الانسجام مع أنفسهم في تأييد الانتفاضات العربية، والاطمئنان إليها والخوف العقلاني الأخوي عليها، وخاصة الانتفاضة السورية المحقة والمنتصرة بإذن الله والمطالبة بالاستمرار وعدم الالتفات إلى الدعوات المشبوهة بالتنازل من أجل تسوية جائرة في حق الشعب السوري ومناضليه وشهدائه مع ما يجب ويلزم ويحسن ويليق بنا وبالشعب السوري الشاهد الشهيد من الغضب والحزن والوجع والدعم والرجاء والدعاء، أن يتوقف هذا الفتك الذريع بالوطن السوري والمواطن السورية".

وأضاف البيان المشترك مذكراً الإيرانيين يوم كانت هناك ثورة، قبل أن ترتد على نفسها وتتحول إلى ناصرة للأنظمة مثل النظام السوري، ونصرة الحركة الإصلاحية في إيران اليوم: "إننا نفصح بلا غموض أو عدوانية عن موقفنا المناصر غير المتردد للانتفاضة السورية، كما ناصرنا الثورة الفلسطينية والإيرانية والمصرية والتونسية واليمنية والليبية، وتعاطفنا مع التيار الإصلاحي والحركة الشعبية المعارضة في إيران وحركة المطالبة الإصلاحية في البحرين وموريتانيا والسودان، مع استعدادنا لمناصرة أي حركة شعبية ضد أي نظام لا يسارع الى الإصلاح العميق تفادياً للثورة عليه وإسقاطه".

وختم البيان بكلمات تذكر الشيعة بكربلاء ذلك الحزن السنوية على مظلومية الإمام الحسين، فما حدا مما بدا حتى تمارس أطراف شيعية باسم الشيعة الانتصار ضد الشعوب والثورات: "آتين إلى الحق والحقيقة والنضال والشهادة من ذاكرتنا الإسلامية النقية، ومن رجائنا بالله ومن كربلاء الشهادة التي تجمع الموحدين وتبرأ إلى الله من الظالمين". هذا وكان البيان قد وصف العلاقة بين النظامين الإيراني والسورية وحزب الله ثالهما "بالزبائنية السياسية والعلاقة الريعية"! وهي محاولة مصادرة الطائفية الشيعية ككل تحت هذه العلاقات.

مما يجدر التذكير به أن الموقعين على البيان ليسا شخصيات عابرة، فالسيد هاني فحص هو عضو الهيئة الشرعية في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي يمثل شيعة لبنان من الناحية الرسمية، إضافة إلى كونه أديب وكاتب وناشط في التسامح الديني. أما السيد محمد حسن الأمين فهو المستشار في المحكمة الشَّرعية الجعفرية في لبنان والقاضي فيها.

نعم جاءت هذه التصريحات متأخرة، ومازالت دون الموقف الجماعي، الذي يجب أن تتحرك لإيجاده المرجعيات الشيعية والنَّجف في المقدمة، فهي مسؤولية تاريخية ضد مواقف تنسف كل الادعاءات بالمظلومية، والتشبث بقضية الحسين والمتاجرة فيها، وتصون الشيعة من المواقف الانتهازية، الريعية والزبائنية، حسب توصيف البيان المشترك للسيد فحص والأمين.