تحليل: المستوطنات الاسرائيلية محل خلاف في الادارة الاميركية

واشنطن - من جيم اندرسون
المستوطنون يشكلون عبئا ثقيلا ومتزايدا على اسرائيل

فطن بعض المسئولين الاميركيين وبعض الاصوات البارزة في وسائل الاعلام الاميركي بشكل مفاجئ، ومتأخر، إلى أهمية المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية كعامل من عوامل انهيار العملية السلمية.
وصرح وزير الخارجية كولين باول أن عملية السلام تتطلب وقفا دائما لبناء المستوطنات الاسرائيلية. ولم يردد الرئيس جورج دبليو. بوش وجهة النظر هذه. ولكن والد بوش، الرئيس الواحد والاربعين للولايات المتحدة، فهم أهمية القضية عندما حجب جزء قيمته 10 مليارات دولار من سلسلة من ضمانات قروض لاسرائيل في أوائل التسعينيات لمعاقبتها على سياسة حكومة رئيس الوزراء إسحاق شامير التي كانت تعمد إلى بناء المستوطنات بأسرع ما يمكن.
وفي تحول حاد لسياساتها التحريرية، وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" المستوطنات الاسرائيلية بأنها "سوء تقدير تاريخي"، وقالت أن توسيع المستوطنات "مثله في ذلك مثل الارهاب الفلسطيني"، يعدان أكبر العقبات التي تواجه عملية السلام في الشرق الاوسط.
وقال عضو من أعضاء المعارضة البرلمانية لرئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون أنه منذ عام 1967 أنفقت إسرائيل حوالي 11 مليار دولار لاقامة المستوطنات وبنيتها التحتية، مضيفا "لو كنا أنفقنا هذه الاموال داخل دولة إسرائيل، لصارت بلدا مختلفا عما هي عليه اليوم".
وعلى الرغم من اليقظة الجديدة للتأثير السياسي للمستوطنات، صرح شارون بأنه لا يتصور إخلاء أية مستوطنات "على المدى القصير، في إطار اتفاقات مؤقتة، ولا على المدى البعيد في إطار اتفاقية دائمة".
ومن جانبها، قالت القيادة الفلسطينية أنه لن يكون ثمة اتفاقية سلام دائمة حتى يوقف الاسرائيليون بناء المستوطنات بشكل جذري.
وقالت مؤسسة السلام في الشرق الاوسط، وهي جماعة خاصة في واشنطن تعارض أنشطة الاستيطان الاسرائيلية، "بدون أفق سياسي يتم الاتفاق عليه، سوف تواصل إسرائيل والفلسطينيون معاركهم على مستويات متزايدة من العنف والارهاب يشعر معها كلا الجانبين أنه ينتصر فيها، ومزاعمهما قابلة للمناقشة. فما لا يأخذانه في الحسبان هو أن المدنين من الجانبين سوف يستمرون في المعاناة من غطرسة هؤلاء الذين يتولون زمام الامور باسمهم."
والشيء الذي لم يستطع أحد فهمه بوجه عام خارج الشرق الاوسط هو أن المستوطنات أكثر من مجرد مجموعة من المنازل المبنية على قمة تل. فهناك نحو 400.000 مستوطن إسرائيلي يعشون في مناطق تشمل القدس الشرقية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان. ومراكز السكان تلك في الصفة الغربية مربوطة ببعضها بعضا الان عبر "طرق دخول"، وهي في واقع الامر طرق رئيسية سريعة تحميها السياج العالية، ولا يستخدمها سوى الاسرائيليون دون الفلسطينيين.
وتؤدي شبكة الطرق المعزولة في واقع الامر إلى قطع أوصال المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية إلى مناطق غير متصلة ببعضها بعضا على نظام البانتوستان (تجمعات السود إبان الحكم العنصري في جنوب أفريقيا) وغير صالحة سياسيا أو اقتصادية بسبب عزلتها.
فضلا عن ذلك، تستهلك المستوطنات الاسرائيلية كمية غير متكافئة من المياه والاراضي القابلة للزراعة التي كانت ستصبح متاحة للفلسطينيين لولا وجود تلك المستوطنات.
يشار إلى أنه عند البدء في بناء المستوطنات، كان لانشائها دافع ديني ورائد، ألا وهو إقامة وجود يهودي رمزي. غير أن المستوطنين الاوائل الذين كانوا يتسمون بالقدرة على تحمل الظروف الصعبة حل محلهم بشكل كبير سكان الضواحي الذين يتلقون دعما ضخما من الحكومة، والذين انتقلوا إلى المستوطنات لأنها توفر مسكنا رخيصا لهم ومواصلات مريحة.
والدافع وراء سخاء الحكومة الاسرائيلية ليس وجدود عجز في المساكن. فالحال على أرض الواقع هو أن نحو 25 في المائة من المستوطنات تظل خالية في أي وقت من الاوقات، وهناك حاليا هجرة جماعية من قبل المستوطنين المذعورين الذين ينشدون الامان داخل حدود 1967 الاسرائيلية.
وأدت المستوطنات إلى خلق نزاع داخلي في صفوف القوات المسلحة الاسرائيلية. فجنود الاحتياط الذين يتم استدعاؤهم لحماية المستوطنات المكشوفة غير راضين.
وذكر أحد قادة الجيش، وهو ايشاي مينوهيم، قائد جماعة معارضة للحكومة يطلق عليها "هناك حد"، أن قوات الاحتياط "غير راغبة في دفع الثمن والمخاطرة بأرواحها مقابل شيء لا تؤمن به. إن الجيش بحاجة إلى أن يفهم أن عدد الاشخاص الراغبين في القيام بأعماله القذرة في المناطق الفلسطينية آخذ في التناقص باستمرار."
والقوة الدافعة خلف نشاط الاستيطان الاسرائيلي هي بكل صراحة، كما كتبت نيويورك تايمز، "الارض". إنه بمثابة ادعاء حق مسبق في الارض يفترض أن يكون خاضعا للمفاوضات، ومن ثم إفشال تلك المفاوضات.
وحتى الان، فإن الحكومة الاميركية، باستثناء باول، لم تعط قضية الاستيطان الاسرائيلية ما يكفي من الاهتمام. ويشير ذلك إلى أن الجدل الذي أدى بالفعل إلى انقسام الاسرائيليين صار يشكل عامل انقسام أيضا داخل الادارة الاميركية.