تحليل: القدس الشيعية... تحجيم القضية بتظاهرات طائفية

تملك حصري للقضية

لندن - ليست هناك قضية خضعت للمصالح والمزايدات السياسية مثل قضية فلسطين، وبالأخص منها القدس حيث بيت المقدس، أو المسجد الأقصى، وعرف بهذا الاسم تيمناً بالآية القرآنية: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى"، ولا يُعلم هل المسجد الأقصى هذا هو المقصود أم الذي أرتقى إليه الرسول في السماوات!

ولعللَّ أول مَن لعب لعبة السياسة حول هذا المسجد هو الخليفة عبدالملك بن مروان، الذي خشي في سنوات الحرب مع الزبيريين، لما أعلن عبدالله بن الزبير نفسه خليفة بالحجاز، وعبدالملك خليفة بالشام، أن يحج أهل الشام فيأخذ ابن الزبير بيعتهم ضده، وحينها ظهر الحديث النبوي: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"، فحج حينها الشاميون إلى بيت المقدس!

نسيت القدس زمناً طويلاً، وصار الحج إليها ثانوياً بالنسبة لحجة الكعبة. لكنها تنتعش في المطبات السياسية، فبعد أن كانت في الثلاثينيات تحيا قضيتها من قبل علماء شيعة وسُنة على حد سواء اقتصرت في هذه الأيام على طائفة دون الطوائف الأخرى. فكانت الجمعة الماضية، وهي التي سماها الإيرانيون "يوم القدس" شيعية بامتياز، بل شيعية مسيسة، ليست كتلك التي ينطلق فيها الناس خارج المؤثر الحزبي والفئوي. فسنوياً منذ عهد الخميني تنطلق التظاهرات بتوجيه من السلطة الإيرانية، لإعلان موقف إيران مِن إسرائيل والأكثر من أميركا.

لكن هذا العام تحركت جماعات شيعية من مناطق خارج إيران وفي وقت واحد، تعتبرها إيران من توابعها طائفياً، فانطلقت تظاهرات بالقطيف المنطقة الشيعية السعودية، وانطلقت مثلها في المدن العراقية بقيادة الأحزاب الدينية، كحزب الدعوة والمجلس الأعلى.

من الواضح أن الحرب في سوريا وأزمة حزب الله وراء هذا التكريس الطائفي، فمثلما استخدم الإيرانيون كربلاء والقدس شعاراً في الحرب العراقية الإيرانية "من كربلاء إلى القدس"، أخذت إيران تشغل الرأي العام بالقدس كي تخفف الضغط على النظام السوري وحزب الله في الوقت نفسه، كنوع من المتاجرة في قضية القدس.

ما يلفت النظر إلى عمق الخلاف الطائفي، ونسيان أن القدس مكان إسلامي محتل من قبل إسرائيل، وما يحصل مجرد شعارات لدغدغة مشاعر الناس، أن سمير القنطار الذي كان سجيناً في إسرائيل وأُطلق في صفقة تبادل الأسرى مع حزب الله، واحتفل به كأقدم سجين لبناني (منذ 1979) في سجون إسرائيل، كاد يُقتل بيد إسلاميين تونسيين سلفيين، أي من أهل السُّنة، وذلك عندما دعي كضيف شرف لإحياء يوم القدس في تونس، حتى أنقذ في آخر لحظة وهُرب من الباب الخلفي لقاعة الاحتفال. فبعد أن تطوفت (من الطائفية) القضية الفلسطينية لم يبق بيت المقدس أو المسجد الأقصى مكان وئام واتفاق بين المسلمين.

فلو رجعنا إلى التضامن الإسلامي حول القدس، في الثلاثينيات من القرن الماضي، لوجدنا أن هذه القضية نفسها أدت إلى التقارب بين علماء الشيعة والسُّنة. فمن النجف كان يحضر علماء دين في مقدمتهم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. ومن بقية البلدان الإسلامية يحضر علماء المذاهب، ويؤدون صلاة واحدة، لا يلتفت أحدهم إلى هيئة صلاة الثاني، بل إن مفتي القدس أمين الحسيني السُّني قَدم كاشف الغطاء الشيعي أن يصلي بالوفود المجتمع من مختلف المذاهب، ولم يعترض أحد على ذلك، وظلت هذه الممارسة كشاهد على الاتفاق عن المحنة مهما كان الاختلاف. وأن عالماً شيعياً أفتى آنذاك، وهو عام أزمة القدس ومحاولة تهويدها، في الثَّلاثينيات، بوقف الحج إلى الكعبة والتوجه إلى القدس، ولم يعترض عليه أحد من علماء السُّنة، وهناك من صرح منهم مؤيداً.

إن الفارق، على ما يبدو، بين جمعة الأمس وجمعة اليوم، والموقف السابق والموقف الحالي، هو أن أولئك العلماء كانوا فقهاء دين لا فقهاء سياسية، مثلما هو مرشد الدولة الإيرانية اليوم، فلا تشغلهم أسباب أخرى غير القدس نفسها. بمعنى أن الإسلام السياسي لا يمكن أن يعيش خارج المياه الطائفية، وفي هذا العام بالذات لم تكن التظاهرات والمسيرات الشيعية، في كل الأحوال، نقية لقضية القدس فلولا أزمة حليف إيران، وهو النظام السوري، لا تتحول قضية القدس إلى قضية شيعية، ولولا ذلك ما أحجم أهل السُّنة، بعلمائهم وإسلامهم السياسي، عن هذا التضامن.

في خطابه الأخير أشار زعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله إلى انخفاض القلق الإسرائيلي وصعود أمل إسرائيل بتصفية القضية الفلسطينية، في إشارة واضحة إلى أن سوريا هي قلعة النضال، وهو أداتها. لكن نصرالله نسى أن تحجيم القضية الفلسطينية إلى قضية طائفة، والمتاجرة فيها من قِبل الجمهورية الإيرانية، هو الذي رفع الأمل الإسرائيلي، وأن ذلك الخطاب ما عاد مسموعاً ولا مؤثراً والطائرات السورية تدك المدن، والقتلى لم يجدوا قبوراً لهم، في معركة غير متكافئة بين نظام وشعبه.

ها هو الزمن يعود على القدس بعد أكثر من أربعة عشر قرناً ليطلب مرشد الثورة الإيرانية من الأحزاب والمنظمات الملحقة به التوجه إلى القدس بتظاهراتهم، في إشارة إلى تخوين الشعب السوري في انتفاضته، بل يفهم منها أنه تعدى إلى تخوين أهل السُّنة كافة تجاه القضية الفلسطينية، وإدخال عموم الشيعة في مأزق الوقوف مع القتل والدمار، في ممارسة مفضوحة، مثلما لأجل الخلافة طلب عبدالملك من المحدث الزُّهري تذكر أو وضع حديث يوجه به حجاج الشام إلى القدس بدلاً من مكة.

ولا ندري ما هو الأمل في النظام السوري بعد سيول الدماء، وخروج أقرب الموالين له.