تحليل: الصناعة الدفاعية الاميركية تحصل على ما تريد

موسكو

مشروع الموازنة الفدرالية للعام 2003 المالي الذي احاله رئيس الولايات المتحدة جورج بوش الى الكونغرس يدل على التنازل الجدي الذي اقدمت عليه الادارة الاميركية ازاء مؤسسات الصناعة الدفاعية. والمقصود هنا هو الحلقة الجديدة الاكثر حدة هذه المرة من عسكرة الاقتصاد الاميركي: النفقات على الدفاع زيدت في سنة واحدة بمعدل 48 مليار دولار وستصل الى مستوى قياسي هو 379 مليار دولار. وتعد هذه الزيادة بانها الاضخم في موازنة وزارة الدفاع خلال السنوات العشرين الماضية. وعرض بوش على الكونغرس ايضا تخصيص 15.6 مليار دولار الى البرامج العسكرية لوزارة الطاقة.
واذا ما اضفنا الى ذلك ان ادارة بوش تخطط لزيادة النفقات الدفاعية في السنوات القادمة وايصالها في العام 2007 الى حدود 451 مليار دولار بالنسبة للبنتاغون وما يقارب 17 مليارا على خط وزارة الطاقة فانه يصبح واضحا ان وراء ضغط مجمع الصناعة الدفاعية يقف برنامج تسليحي للمدى الطويل يهدف الى اعادة النظر بشكل جذري باستراتيجية الموازنة. وهذه الاخيرة ستتوجه كما يظهر الى اولوية تمويل البرامج العسكرية على حساب البرامج الاجتماعية.
وبينما كانت الموازنة الاميركية تحقق فائضا طيلة السنوات الاخيرة فان المشروع المقدم من جورج بوش يفترض عجزا كبيرا فيها اي ان مواد النفقات سوف تفوق مواد الايرادات.
ولكن لماذا البيت الابيض مستعد للذهاب نحو موازنة عاجزة وغير شعبية ونحو تلك الزيادة التي لا سابق لها في النفقات الحربية ونحو التقليص من البرامج الاجتماعية؟ ان الحجة الشكلية تكمن في الدرس القاسي ليوم 11 ايلول/سبتمبر وضرورة تعزيز القدرة الدفاعية للولايات المتحدة بسبب الاخطار التي يهدد بها الارهاب الدولي. ولقد اشار بوش في الرسالة التي ارفقها بمشروع الموازنة الى ان ادارته مستعدة لفعل اي شيء لتحقيق الانتصار على الارهاب.
ولكن النفقات الضخمة على انتاج انواع جديدة من الاسلحة بما فيها المضادة للصواريخ لا علاقة لها في حقيقة الامر بمهمات صد تهديدات الارهابيين. ومن المهم في هذا المجال تحليل كيف يعتزم البنتاغون توزيع تلك المخصصات التي تعود اليه في موازنة بوش. ان القسم الاكبر من النفقات الدفاعية المفترضة (حوالي 35 بالمائة) ستخصص الى دعم الجهوزية الحربية واجراء العمليات الحربية و19 بالمائة من الموارد يخطط البنتاغون لصرفها على رواتب العسكريين و18 بالمائة - على شراء تقنيات حربية جديدة و14.2 بالمائة على الابحاث العلمية المناسبة.
فما هي هذه الابحاث وهل لها علاقة بمسألة مكافحة الارهاب؟
رأس البنتاغون دونالد رامسفلد في تعليقه على مشروع الموازنة لم يخف طابع هذه الابحاث. فقد اعلن ان "وزارة الدفاع الاميركية اعادت في العام الماضي تنظيم وبث روح جديدة في الابحاث والاختبارات الخاصة ببرنامج انشاء نظام الدفاع الخاص المضاد للصواريخ الذي سيتحرر في هذا الصيف من مفاعيل اتفاقية الدفاع الصاروخي عن العام 1972 ". وحسب كلام رامسفيلد ان الادارة طلبت من الكونغرس تخصيص مبلغ 7.8 مليارات دولار في العام 2003 لانشاء هذا النظام الدفاعي الخاص وفي المستقبل ستتم زيادة هذه التخصيصات وستصل الى حدود 11 مليار دولار في العام 2007.
"نحن نحتاج اليوم ليس فقط لتحقيق الانتصار على الارهاب وانما لان نكون مستعدين لتحقيق الانتصار في حروب الغد" قال رامسفلد. ان جملة وزير الدفاع هذه بالذات هي المفتاح لفهم خطة النفقات. فباستغلاله لقلق الملايين من الاميركيين العاديين على امنهم وهو قلق استفحل بشدة بعد احداث 11 ايلول/سبتمبر يرغب البنتاغون وبدعم من البيت الابيض بتوفير التفوق العسكري للولايات المتحدة ولا سيما التفوق التقني بالدرجة الاولى وهو تفوق يمكنه ان يجعل الولايات المتحدة منتصرة في اي حرب تجريها في الغد ويتيح لها املاء شروطها على العالم بأسره.
ومن البساطة بمكان ان نفكر بان هذا السعي الاميركي الواضح للسيطرة على العالم لن يلقى معارضة من جانب كل من روسيا والصين والهند وغيرها من الدول الاخرى. فالاهتمام بامن المواطنين ومشكلة حماية المصالح القومية للبلاد امران لا يشغلان بال البيت الابيض فقط. فهذا الامر بالذات هو ما يضطر موسكو وبكين ودلهي وغيرها من مراكز السياسة العالمية الى اتخاذ الاجراءات الضرورية لمنع قيام وضع بامكان دولة واحدة فيه ان تمتلك وسائل اجراء الحرب بينما دول اخرى محرومة منها. ان وضع كهذا قام في فترة من التاريخ وذلك عندما ظهرت الولايات المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية ولفترة قصيرة لم تتعد الـ 4 سنوات محتكرة للسلاح النووي. ويظهر ان الحنين للشعور بالسلطة المطلقة وهو شعور عرقله الاتحاد السوفياتي في العام 1949 لا يعطي الراحة لبعض السياسيين فيما وراء المحيط ممن يعكسون مصالح مجمع الصناعة الدفاعية.
"علينا ان نمتلك كل ما هو ضروري من اجل الرد على تحديات القرن الواحد والعشرين المختلفة عن تحديات "الحرب الباردة" اعلن دونالد رامسفلد. نعم ان المخاطر والتحديات في القرن الجديد قد تغيرت. ولكن وللاسف لم يتغير تفكير العديد من السياسيين الذين تربوا في اجواء "الحرب الباردة". فهؤلاء مستمرون بالتفكير حسب معاييرها محاولين حل مهمات اليوم الحاضر انطلاقا من تصورات الامس عن العالم. الا ان اليوم الحاضر تغير بشكل جذري واصبح يحتاج الى تعاون وثيق بين الدول العظمى وليس الى سباق تسلح سيؤدي اليه حتما السعي للتفوق. غيورغي ارباتوف، اكاديمي في اكاديمية العلوم الروسية، المدير الفخري لمعهد الولايات المتحدة وكندا لدى اكـاديمية العلـوم الروسية