تحليل: السياسة الواقعية تسود بين الصين وأميركا

بكين
الخلافات بين البلدين لا تفسد العلاقات القائمة على الشراكة

يرجح المراقبون أن المبادئ الصارمة لن تكون هي السائدة في القمة المرتقب بين الرئيس الاميركي جورج دبليو. بوش والرئيس الصيني جيانج زيمين.
وقبل ثلاثين عاما تمكنت واشنطن وبكين من تضييق الهوة الايديولوجية بينهما عندما التقى الرئيس الاميركي السابق ريتشارد نيكسون والرئيس الصيني ماو تسي تونج، في الصين التي كانت تعيش فترة من الاصولية الشيوعية التي ميزت الثورة الثقافية بين الاعوام 1966- 1976 واعتبر هذا الاجتماع، الذي كان قد اتفق عليه خلال زيارة سرية قام بها هنري كيسنجر إلى الصين عام ،1971 بداية لذوبان جليد الحرب الباردة بين الدولتين.
وسوف تتركز الاضواء على الرئيسين بوش وجيانج عندما يلتقيان في "القمة التاريخية" في بكين لاحياء ذكرى زيارة نيكسون إلى الصين، البلد الذي يفخر بنجاح أربع وعشرين عام من الاصلاحات الاقتصادية توجت بانضمامه إلى منظمة التجارة العالمية في كانون الاول/ديسمبر الماضي.
ومنذ تولي الرئيس الاميركي جورج بوش السلطة في الولايات المتحدة قبل ما يزيد قليلا عن العام تشكلت علاقة أميركية صينية تتسم بالمرونة والبراجماتية. وتخلى بوش عن وصفه للصين "بالمنافس الاستراتيجي" وهو الوصف الذي خرج به في البداية والذي يتسم بالمواجهة.
وجاءت الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 أيلول/سبتمبر وما تلاها من الحرب على الارهاب، لتحدث تغييرا كبيرا في العلاقات الاميركية مع الصين والكثير من الدول الاخرى. وفي تشرين أول/أكتوبر الماضي في شنغهاي، تعهد بوش وجيانج بخلق تعاون أوثق في الحرب على الارهاب خلال اجتماعهما الاول منذ تولي بوش السلطة.
وقال بوش "يقف الرئيس جيانج زيمين والحكومة الصينية جنبا إلى جنب مع الشعب الاميركي في حربنا ضد قوى الشر هذه".
لكن الصين التي أبدت تأييدا ضعيفا للعمل العسكري ضد أفغانستان، حثت الولايات المتحدة على ألا تقدم على هجمات ضد دول أخرى متهمة بدعم الارهاب إلا بعد الحصول على الدعم الكامل من الامم المتحدة.
وفي مؤشر آخر على أن تعبيرات الاتفاق في الآراء لا تعكس بشكل كامل موقف بكين، سخرت الصين الشهر الماضي من "دبلوماسية (بوش) الهزيلة" عندما وصف العراق وإيران وكوريا الشمالية على أنها تمثل "محور الشر". ومع ذلك فمن المرجح أن يثير الجانب الاميركي وراء الابواب المغلقة هذا الاسبوع، قضية بيع الصين تكنولوجيا صاروخية لدول أعضاء في هذا "المحور".
وسوف يقبل قادة الصين أي انتقادات غير حادة وأي قدر ضئيل من الحرج قد يسببه لهم بوش. فقد تفادت الصين إصدار بيان علني الشهر الماضي بشأن ما تردد حول وضع أجهزة تنصت في الطائرة الاميركية التي صنعت خصيصا للرئيس الصيني زيمين. كما قلل الطرفان من أهمية الجدل الذي نشب حول حادثة التجسس في نيسان/أبريل الماضي عندما اصطدمت طائرة تجسس أميركية مع مقاتلة صينية فوق بحر الصين الجنوبي.
وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية كونج كوان الاسبوع الماضي أن الصين ترغب في "علاقات تعاون بناءة" مع الولايات المتحدة. وقال كونج "يجب تناول الخلافات بشكل مناسب بالاخذ بعين الاعتبار الموقف بشكل عام"، وهو ما يعكس مبدأ الصين في "تنحية الخلافات جانبا".
ومن بين القضايا الخلافية الرئيسية قضية تايوان. وفي شنغهاي جدد الرئيس بوش تعهد الولايات المتحدة بالدفاع عن تايوان ضد أي هجوم صيني محتمل قائلا أنه يريد "الحفاظ على الاستقرار الاقليمي". وقال أن الحرب على الارهاب "يجب ألا تستخدم مطلقا كمبرر لاضطهاد الاقليات".
وقال المسئولون الاميركيون أن بوش سوف يتحدث في الصين عن قضايا حقوق الانسان. لكنه سيكون حريصا على عدم إثارة غضب القادة الصينيين حيث لن يدينهم بسبب معاملتهم القاسية لاعضاء حركة فالون جونج الروحية المحظورة ونشطاء الاستقلال في هضبة التبت الصينية والاغلبية المسلمة في مناطق شينجيانج.
وقال أحد الدبلوماسيين الاميركيين قبل زيارة بوش "انظر، إنه اجتماع قمة. لن نذهب إلى هناك ونضربهم عل رؤوسهم".
وكان بوش قد ألمح في اليابان أمس/الثلاثاء إلى ما يمكن مناقشته في بكين، حيث قال "إننا ممتنون لتعاون الصين في الحرب ضد الارهاب وسوف نعمل مع الصين في المهمة العظيمة لبناء آسيا مستقرة ومزدهرة لاطفالنا وأحفادنا".
لكن بوش قال أن تعزيز التعاون مع الصين لن يمنع الولايات المتحدة من الاستمرار في دفع الصين نحو تحسين أوضاع حقوق الانسان. وقال "ستجد الصين أن أميركا تتحدث باسم القيم العالمية التي قام عليها شعبنا: حكم القانون، حرية الفكر والاعتقاد، والحقوق والكرامة في الحياة".
ومن غير المحتمل أن يثير أيا من كلام بوش حفيظة وسائل الاعلام الصينية التي امتدحت زيارته ووصفتها بأنها ستكون الزيارة الاكثر أهمية التي يقوم بها رئيس أميركي للصين منذ أن التقى نيكسون بماو.
يذكر أن زيارة نيكسون للصين ألهمت الملحن الاميركي جون أدامز لكتابة أوبرا "نيكسون في الصين" عام ،1987 والتي يعتبرها الكثير من النقاد أبرز عمل أوبرالي في نهايات القرن العشرين. لكنه من غير المحتمل أن يتم تخليد لقاء بوش-جيانج على هذا النحو، حيث أنهما يمثلان فكرا براجماتيا يختلف عن الحوار الذي تم عام 1972 بين الثقافات والايديولوجيات المتصارعة.
الخلافات بين البلدين لا تفسد العلاقات القائمة على الشراكة