تحليل: الاقتصاد الصيني يتقدم بسرعة قياسية رغم الركود العالمي

لندن
الزعيم الصيني زيمين ابتكر نظرية التمثيل الثلاثي التي تتيح للرأسماليين الجدد الانضمام للحزب الشيوعي

في الوقت الذي تحاول فيه قاطرة الاقتصاد العالمي مواجهة رياح الركود المعاكسة التي تواجهها منذ أكثر من عامين، والتي من المتوقع أن تستمر خلال العام القادم أيضاً، فإن قاطرة الاقتصاد الصيني تواصل تقدمها بسرعة محققة معدلات نمو قياسية، بل ومتجاوزة للمعدلات المحددة سابقاً بحيث شكلت هذه النتائج مفاجأة لكثير من الخبراء والمحللين الاقتصاديين في العالم.
وتقول مصادر صينية إن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي الصيني للعام الجاري 2002 سيبلغ نحو 8 في المائة، وهو معدل يزيد بمقدار 1 في المائة عن السقف الذي حددته الحكومة للنمو الاقتصادي وهو 7 في المائة، واللافت للنظر أن هذا المعدل يأتي ضمن المعدلات السابقة للنمو المستدام الذي يحققه الاقتصاد الصيني منذ عام 1990.
وفي هذا الإطار أكد رئيس اللجنة الاقتصادية والتخطيط بالحكومة الصينية زينغ بيان أن قيمة إجمالي الناتج المحلي في البلاد ستتجاوز هذا العام 10 تريليونات يوان أي نحو 1.2 تريليون دولار بزيادة بنحو 8 في المائة عن العام الماضي.
ومن الجدير بالذكر أن الاقتصاد الصيني، وخلال الـ 13 سنة الماضية، شهد ازدياداً سريعاً إذ بلغ معدل الزيادة في إجمالي الناتج المحلي 9.3 بالمائة سنوياً.
ومما يؤكد نجاح الاقتصاد الصيني أن النمو الذي تحقق العام الماضي جاء في السياق الطبيعي للتقدم الذي يحققه الاقتصاد الصيني عاماً بعد آخر حيث تؤكد المؤشرات الاقتصادية على استمرار هذا النمو وبمعدلات مرتفعة، فعلى سبيل المثال استطاعت الصين أن تحقق أكبر فائض تجاري في ثلاث سنوات متتالية حيث ارتفعت قيمة الصادرات بنسبة 31.5 في المائة خلال عام، ليرتفع بذلك حجم التجارة الخارجية مع نهاية العام الجاري إلى نحو 600 مليار دولار مقابل 509.8 مليار دولار في عام 2001، وبذلك تبوأت الصين المركز السادس في ترتيب التجارة العالمية.
وفقاً للأرقام التي أعلنتها الجمارك كان حجم التجارة الخارجية خلال الأشهر التسعة من العام الجاري نحو 445.135 مليار دولار أميركي بزيادة قدرها 18.3 في المائة عن نفس الفترة من العام الماضي.
وقد وصلت قيمة الواردات إلى 212.572 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 17.2 في المائة، بينما وصلت قيمة الصادرات إلى 232.564 مليار دولار ، بزيادة 19.4 في المائة. وكان حجم الفائض التجاري 19.992 مليار دولار أميركي، بزيادة 49.4 في المائة عن نفس الفترة من العام الماضي. كما بقيت الصين بيئة جذابة للاستثمارات الاجنبية، ومن المتوقع أن تبلغ قيمة الاستثمارات المتدفقة على الصين خلال العام الجاري نحو 50 مليار دولار.
ويعتقد الخبراء أن معدل النمو الذي سيحققه الاقتصاد الصيني مع نهاية العام وهو 8 في المائة مذهل قياساً الى النمو المتوقع في اقتصاديات الدول الصناعية أو حتى الاقتصاد العالمي حيث تشير أكثر التقديرات تفاؤلاً أن الاقتصاد العالمي لن يحقق أكثر من 2.8 في المائة خلال العام الجاري، فيما لن تحقق اقتصاديات الدول الصناعية السبع أكثر من 1.7 في المائة.
كما أن معدل النمو المرتفع يأتي رغم تعرض شركاء بكين الرئيسيين لأضرار اقتصادية بالغة وخاصة الولايات المتحدة، لكن الخبراء يعتقدون أن الاقتصاد الصيني يمتلك من المقومات والخصائص ما يجعله بمنأى عن التأثيرات السلبية لما تشهده الساحة العالمية من أحداث وتطورات، وهو ما أكده الخبير من مكتب بحوث السياسات للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بقوله: إن النمو الاقتصادي الصيني السريع في ظل تباطؤ النمو الاقتصاد العالمي يرجع إلى تنفيذ سياسة السيطرة الكلية.
وأضاف الخبير أن الصين نجحت في مقاومة الأزمة الاقتصادية الآسيوية في فترة 1997-2001 وبلغت نسبة الزيادة لإجمالي الناتج المحلي 7.6 بالمائة على أساس سنوي وبلغ مؤشر الأسعار الاستهلاكية للمواطن الصينيين الواحد بالمائة سلبياً في نفس الفترة وحققت نمواً اقتصادياً سريعا مع انخفاض أسعار البضائع. اهم مقومات الاقتصاد الصيني
أما بالنسبة للمقومات والخصائص التي يتمتع بها الاقتصاد الصيني والتي تقف خلف النمو الاقتصادي المرتفع فيمكن إيجازها بالآتي:

أولاً: كبر حجم السوق الصيني، إذ تضم نحو 1.3 مليون مستهلك، وتتمتع بناتج إجمالي كبير يزيد عن 1.2 تريليون دولار، وبالتالي فهي من أضخم الأسواق الاستهلاكية في العالم.

ثانياً: رخص اليد العالمة ذلك أن متوسط أجور العامل تبلغ حوالي 150 دولاراً شهرياً مما يجعل من الصين قاعدة للإنتاج المنخفض الكلفة بالنسبة إلى مئات الشركات الأجنبية، وبذلك تتحول الصين بسرعة فائقة إلى منصة ضخمة للإنتاج في العالم.

ثالثاً: قيام الصين بإصدار سندات خزانة طويلة الأجل للبناء بمبلغ 660 مليار يوان في السنوات الأربع الأخيرة مما جذب أكثر من 2000 مليار يوان للاستثمار. وقد ساهمت هذه السندات في زيادة نسبة النمو الاقتصادي 2 نقطة مئوية سنوياً بفضل استخدام هذه السندات في مجال البنية الأساسية وإصلاح تكنولوجيا المؤسسات وتنمية غرب الصين وبناء البيئة الحيوية، علاوة على ذلك فتحت الصين مجالات جديداً مثل السيارات والعقارات والسياحة والتعليم وغير ذلك من مجالات الاستهلاك الجديدة لتطوير الاقتصاد.

رابعاً: حالة الاستقرار النسبي التي تعيشها البلاد، ومحاولة القيادة الصينية معالجة المشاكل المختلفة من خلال الحوار والمفاوضات وخاصة بما يتعلق بتايوان علاوة على الخلافات التي حدثت مع الولايات المتحدة ودول الجوار الآسيوي، وهو ما شجع على إقبال المستثمرين الأجانب فاحتلت الصين خلال العام الجاري المرتبة الأولى في استقطاب الاستثمارات الأجنبية متقدمة عن الولايات المتحدة رغم الانخفاض الذي شهدته قيمة هذه الاستثمارات على الصعيد العالمي وذلك للعام الثاني على التوالي.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تدفق الاستثمارات العالمية المباشرة بلغ ذروته عام 2000 بقيمة وصلت إلى 1.3 تريليون دولار، وفي نهاية عام 2001 شهدت تراجعاً تجاوز 40 في المائة لتصل إلى 760 مليار دولار، واستناداً إلى التقرير الذي وضعته منظمة الأونكتاد التابعة للأمم المتحدة فإن قيمة الاستثمارات خلال العام الجاري ستصل إلى نحو 534 مليار دولار أي أنها ستنخفض بنسبة 27 في المائة عن عام 2001 وبنسبة خطيرة تناهز 60 في المائة مقارنة مع عام الذروة عام 2000.
وأضاف تقرير الأونكتاد أن الصين وما تملكه من صناعات التكنولوجيا العالية ستجتذب 50 مليار دولار أي ما يعادل 56 في المائة من قيمة الاستثمارات الإجمالية لحصة دول آسيا النامية وأكبر حصة بين دول العالم المضيفة وعلى رأسها الولايات المتحدة.

خامساً: تغير تشكيل الناتج المحلي الإجمالي فقد بدأت هذه التشكيلة في التغير منذ مطلع التسعينيات، حيث بلغت مساهمة الصناعة في إجمالي الناتج المحلي 15.2 و51.1 و33.6 بالمائة حالياً مقارنة بـ 27.1 و41.6 و31.3 بالمائة في عام 1990. وارتفعت نسبة الواردات والصادرات في إجمالي الناتج المحلي إلى 44 بالمائة في عام 2001 من 24.6 بالمائة في عام 1989.
وجاء هذا التغيير نتيجة تغير تركيبة الواردات والصادرات الصينية فخلال السنوات الثلاث عشرة الماضية تحسنت تركيبة الصادرات الصينية يوماً بعد يوم ففي الثمانينيات كان الصادرات الصينية الرئيسية هي المنتجات الزراعية والمواد الخام، ثم تحولت إلى منتجات الصناعة الخفيفة والغزل والنسيج في أوائل التسعينيات، بينما أصبحت الأجهزة الميكانيكية والكهربائية "البطل الرئيسي" في أواخر التسعينيات، وارتفعت نسبة منتجات التكنولوجيا العالية باستمرار حتى بلغت 17.5 في المائة من إجمالي قيمة الصادرات في العام الماضي، أما بالنسبة للواردات فهي تستورد الآن الأجهزة المهمة التي تحتاجها الصين بإلحاح والتكنولوجيا العالية والحديثة والمواد الخام، وفي عام 2001 بلغت نسبة منتجات التكنولوجيا العالية والحديثة التي استوردتها الصين 26.3 في المائة.

سادساً: اتساع نطاق مشاركة المرأة الصينية في الحياة الاقتصادية إذ تشكل المرأة العاملة نحو 65.6 في المائة من الأيدي العاملة الريفية وحوالي 47 بالمائة من المشتغلين بالمدن الصينية بارتفاع 11 و12 في المائة نقطة مئوية عن المعدل العالمي.

سابعاً: رفع القيود الاستثمارية عن المؤسسات غير الحكومة وتوسيع مشاركة القطاع الخاص حيث ارتفعت نسبة الزيادة من الاستثمارات غير الحكومية من 5 و 7 بالمائة في الأعوام الماضية سنوياً إلى 20 بالمائة في فترة كانون الثاني/يناير أيلول/سبتمبر من العام الحالي.
كما انتهجت الحكومة الصينية سياسات انفتاحية جديدة وخاصة لجهة إشراك القطاع الخاص في عملية الإنتاج حيث ستجري معاملة الشركات الخاصة على قدم وساق مع مؤسسات الدولة وستخضع للقواعد نفسها على صعيد الوصول إلى الأسواق واستغلال الأراضي والمحاسبة الضريبية والخدمات المالية والتجارة الخارجية، وهو ما أكده وزير لجنة الدولة للاقتصاد والتجارة بقوله: "إنه على مدى الأعوام الـ 13 الماضي قلصت الصين عدد شركات القطاع العام إلى أكثر من النصف ليصل إلى 43 ألف شركة، فيما قفز عدد شركات القطاع الخاص إلى ما يزيد عن مليوني شركة.

ثامناً: تزايد معدلات السياحة الخارجية والداخلية لما تتمتع به الصين من مواقع سياحية تاريخية وطبيعة، فقد أكد مسؤول في مصلحة الدولة للسياحة أن نسبة الزيادة في أسواق السائحين من خارج الصين بلغت 20 بالمائة سنوياً في العشرين سنة الأخيرة وستتجاوز إيراداتها من العملة الأجنبية 20 مليار دولار في هذا العام.

تاسعاً: توجه الشركات الصينية باستثماراتها إلى الخارج، وهي من الإجراءات الهامة التي تم تطبيقها في السنوات الأخيرة وبذلك تم الاستفادة من الموارد المحلية والخارجية والسوق المحلي والخارجي. وحتى نهاية حزيران/يونيو الماضي بلغ إجمالي عدد الشركات الصينية غير المالية خارج البلاد نحو 6758 شركة، وبلغ إجمالي قيمة الاستثمارات التعاقدية 13.2 مليار دولار، منها 8.88 مليار دولار من استثمار الطرف الصيني؛ وقد تم توسع مجال الاستثمار الصيني في الخارج من التصنيع خارج البلاد والسياحة والمطاعم والمقاولة في العمالة في الماضي إلى استثمار الموارد ودراسة وإنتاج المنتجات الجديدة والاتصالات بالقمر الصناعي.
ومع الأخذ بعين الاعتبار كل الخصائص السابقة فإن الصين تعاني أيضاً مثل غيرها من الدول من مجموعة من المشاكل الاقتصادية منها البطالة حيث يوجد نحو مائة مليون عامل ضمن حدودها يبحثون عن عمل، يضاف إلى ذلك الفساد الرسمي المتأصل، ونسبة النمو المرتفعة التي أدت إلى زيادة اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، الأمر الذي أدى بدوره إلى بروز قوى اجتماعية جديدة تطالب بنصيب في السلطة السياسية.
وأخيراً مع تجديد شباب القيادة الصينية في المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي واعتماد استراتيجية للتنمية المستدامة متزامنة ومنسجمة مع استمرار سياسة الانفتاح على الخارج ونقل التكنولوجيا فإن النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي سيتعزز في المستقبل خاصة بعد انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية حيث ستدخل الصين مرحلة انفتاح جديدة على العالم الخارجي تتجسد بصورة عامة في تنمية ثلاث اتجاهات رئيسة هي: تنمية التجارة الخارجية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتشجيع المؤسسات الصينية على تنمية أعمالها خارج البلاد من خلال إيجاد أسواق جديدة للمنتجات الصينية المختلفة، لذلك ليس من المستغرب أن تمضي بكين قدماً في الطريق نحو احتلال القوة الثانية الأعظم على صعيد الاقتصاد العالمي بعد أن نجحت في أن تكون واحدة من أسرع الدول التي تحقق نمواً في العالم. (قدس.برس)