تحليل: الاتحاد الاوروبي يبحث عن توازن بين الاشتراكية والاصلاح الاقتصادي

يريدون النموذج الاشتراكي الاوروبي لا النموذج الاميركي

برشلونة - من شذا إسلام وليون مانجاساريان
اختتم زعماء الاتحاد الاوروبي قمتهم في أسبانيا، وهم منقسمون ما بين المضي قدما في إجراء إصلاحات رأسمالية تهدف إلى تحقيق النمو، وبين الحفاظ على نظام دولة الرفاهية (القائم على توفير ضمانات اجتماعية كبيرة للعاملين) السائد في دول الاتحاد.
وبدت التوترات واضحة بين حكومات دول الاتحاد الاوروبي من المحافظين والاشتراكيين خلال قمة الاتحاد في مدينة برشلونة الاسبانية والتي عقدت بغية دفع عجلة الاقتصاد الاوروبي مرة أخرى.
وبعد عام من التراجع والاخفاق الاقتصادي، بدأ وضع الاقتصاد الاوروبي في التحسن مرة أخرى. ولكن الدول الخمس عشرة الاعضاء في الاتحاد الاوروبي مازالوا منقسمين بشأن كيفية تعزيز هذا الانتعاش الوليد.
وكان البيان الختامي للقمة بمثابة دراسة للتناقضات فيما جاهد الزعماء للتوفيق بين وجهات النظر المتعارضة.
ومما أثقل كاهل القمة بالمزيد من المشكلات القومية قرب إجراء الانتخابات في ست من دول الاتحاد الاوروبي، مثل البرتغال التي جرت فيها الانتخابات الاحد، فضلا عن الانتخابات التي تجرى في أيار/مايو في فرنسا وفي أيلول/سبتمبر في ألمانيا، وكلتاهما من الدول ذات الثقل الكبير داخل الاتحاد.
ومن القضايا الرئيسية التي بحثتها القمة تحرير قطاع الكهرباء.
وفي ما يعد اختبارا لعملية الاصلاح الاقتصادي، عمد الزعماء الفرنسيون، بهدف حماية شركة كهرباء فرنسا (إي.دي.إف)، وهي مؤسسة احتكارية تابعة للدولة، إلى إضعاف خطط الاتحاد الاوروبي الجريئة لتحرير شبكات الطاقة في مختلف أنحاء الكتلة الاوروبية.
وحفاظا على تقليد تجنب إثارة المشكلات الذي يتبعه الاتحاد الاوروبي منذ القدم، رضخ الزعماء لمطالب الفرنسيين الذين رفضوا رفع القيود على إمدادات الكهرباء للمنازل ووافقوا فحسب على وجود منافسة في توفير الطاقة للمؤسسات الصناعية.
وقال وزير المالية الالماني هانز أيخل بوضوح "من المعروف أنك لو حاولت تحطيم جدار برأسك، فإن الجدار عادة ما يكون أقوى".
وقال المستشار الالماني جيرهارد شرويدر أنه تقرر منح المشروعات التجارية والصناعية حرية اختيار جهة توفير الكهرباء والغاز الطبيعي لهم في عام 2004 فيما لم يحصل المستهلك المنزلي إلا على تعهد مبهم بدراسة وضعه بعد عام 2004.
وقال الرئيس الفرنسي جاك شيراك "لقد قبلنا فتح السوق أمام المستهلكين الصناعيين ولكن من غير المقبول أو المسموح المضي أكثر من ذلك".
وتعد مشكلة خلق فرص عمل والحفاظ عليها أكبر مشكلة تواجهها أوروبا.
فمن جانب، دعت القمة إلى تهيئة "بيئة تنظيمية" تسهل قدر المستطاع إقامة مشروعات اقتصادية جديدة.
لكن الزعماء تمسكوا، من جانب آخر، "بالنموذج الاشتراكي الاوروبي" الذي يتباهى به الاوروبيون والذي يكفل مستوى مرتفعا من الحماية للعمال، واصروا على رفض انتهاج سياسة ترك الحبل على الغارب لارباب العمل في التعيين والاقالة المتبعة في الولايات المتحدة والتي يرفضها بشدة الزعماء الاشتراكيون الديمقراطيون من أمثال شرويدر.
وظهرت التوترات جلية في بيان القمة المعقد المليء بالعبارات الصعبة النطق والذي جاهد لتحقيق مطالب كافة الاطراف، وجاء فيه أنه "يتعين أن تركز استراتيجية التوظيف التي جرت مراجعتها على رفع معدل التوظيف من خلال إزالة العراقيل والعقبات أمام شغل وظيفة ما أو البقاء فيها مع الحفاظ على معايير الحماية المرتفعة الخاصة بالنموذج الاشتراكي الاوروبي".
وفي مثال آخر، دعت القمة إلى "توازن ملائم بين المرونة والامن" في مراجعة الدول الاعضاء لقوانين العمل. ويعد ذلك انعكاسا واضحا للخلاف بين شرويدر ورئيس الوزراء الايطالي سيلفيو بيرلسكوني الذي سعى لتسهيل إمكانية إقالة العمال.
وبينما مازال الاقتصاد الاميركي يتقدم على نظيره الاوروبي، بدأت جهود تهدف للتطوير قادتها أسبانيا الدولة المضيفة فضلا عن بريطانيا وإيطاليا.
ودعا الزعماء إلى خفض الضرائب لتخفيف العبء عن كاهل محدودي الدخل كي يصبح العمل أكثر جاذبية من الاعانات التي تقدمها الدولة.
ونصحت القمة بأن "يتم تعديل أنظمة الضرائب والمزايا لجعل عائد العمل مجزيا وتشجيع مساعي البحث عن وظائف".
ولكن الامر ليس بهذه البساطة، حيث أن أوروبا تواجه إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة نقصا في العمالة الماهرة.
ومن ثم، فإن القمة حثت المزيد من النساء على العمل، بل أن الزعماء دعوا إلى إقامة المزيد من منشآت رعاية الاطفال لتشجيع النساء على الخروج من المنزل والتوجه إلى المكاتب والمصانع.
وفي مواجهة التحديات السكانية التي يفرضها زيادة عدد المسنين، أصدر الاتحاد الاوروبي توجيهات للدول الاعضاء لتخفيض الحوافز التي تمنح للتقاعد المبكر.
وحث بيان قمة برشلونة على "السعي لتحقيق زيادة تصاعدية في متوسط سن التقاعد من 58 عاما حاليا إلى 65 عاما بحلول عام 2010".
ولكن هل تستطيع حكومات الاتحاد الاوروبي تنفيذ جميع هذه النوايا الطيبة والنبيلة؟ لقد تعهدت قمة الاتحاد الاوروبي في لشبونة منذ عامين بجعل أوروبا أكثر مناطق العالم "ديناميكية وقدرة على المنافسة"، الا ان هذا لم يتحقق حتى الآن.
وكما حذر أحد مفوضي الاتحاد الاوروبي مؤخرا من أن معظم الاصلاحات الرئيسية التي أقرتها قمة لشبونة "لا تزال حبرا على ورق وتنتظر الموافقة عليها وتنفيذها".
والنتيجة ان الاتحاد الاوروبي لا يزال يبحث عن صيغة افضل تحقق له الاصلاح الاقتصادي المنشود، مع الحفاظ على حقوق العاملين، والتي يرى الكثيرون انها تجعل نوعية الحياة افضل كثيرا من النموذج الاميركي.