تحليل: أميركا تتذكر، أخيرا، دورها الذي لا مهرب منه في الشرق الاوسط

واشنطن - من جيم أندرسون
بوش استطاع، بعد فترة طويلة، ان يفهم انه لا يمكنه تجاهل الازمة

يبدو أن الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش قد تذكر، متأخرا بعض الشيء، امرا تعاني السياسة الخارجية الاميركية من فقدان ذاكرة مزمن بالنسبة له، ألا وهو أنه لا مناص من دور فعال وحازم للولايات المتحدة في الشرق الاوسط، حتى مع حليفتها إسرائيل.
فبعد الفشل الذي لاقاه الرئيس السابق بيل كلينتون في جهود الوساطة من أجل حل أزمة الشرق الاوسط، قرر الرئيس الجمهوري الجديد الانعزالي التوجه أنه ليس هناك ما يدعوه للمخاطرة وأنه من الافضل له ترك الطرفان يتقاتلان حتى يصلان إلى قناعاتهما هما بالسلام.
وعلى هذا الاساس كان آخر قرار اتخذه بوش بشكل معلن هو عدم التدخل دبلوماسيا إلى أن يتم وقف إطلاق النار. وهذا يساير تماما وجهة نظر رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون ،الذي يطالب بفترة هدوء تام لمدة سبعة أيام قبل التفكير في إمكانية استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين.
بعد ذلك تصاعد القتال مع قول شارون أنه سوف يضرب الفلسطينيين بعنف إلى أن يكفوا تماما عن المقاومة.
وبالفعل نفذ شارون وعده حيث قامت قواته، في ظل الموقف الاميركي الصامت، باستئناف استخدام طائرات إف-16 الاميركية الصنع والمروحيات الحربية الامر الذي جعل عدد الضحايا الفلسطينيين يتزايد بصورة مذهلة.
غير ان عدد القتلى الاسرائيليين زاد بصورة كبيرة نسبيا، الامر الذي يدل على أن سياسة شارون لا تستند إلى الواقع وأنها يقينا لن تحقق له أي قدر من التأييد الشعبي بين صفوف الناخبين الاسرائيليين.
وفي الوقت نفسه فإن مشاهد الهجمات الاسرائيلية على مدن ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين، والتي تبثها التليفزيونات العربية بلا انقطاع، أثارت إحساسا بالمرارة لدى الشارع العربي إزاء الموقف الاميركي المؤيد لاسرائيل. فقد أظهرت استطلاعات الرأي في العالم العربي أن التعاطف مع الولايات المتحدة وحربها ضد الارهاب التي تخوضها ضد تنظيم القاعدة آخذ في الزوال تماما.
واستخدم وزير الخارجية الاميركي كولن باول لهجة اتسمت بالاعتدال ثم بالقوة في انتقاده علنا لسياسة القبضة الحديدية التي ينتهجها شارون، ولا سيما ضد المدنيين. كما أعلن بوش أنه سوف يوفد مبعوثه الخاص الجنرال المتقاعد بسلاح المشاة الاميركية أنثوني زيني إلى الشرق الاوسط مرة أخرى.
وحقيقة الامر أن شارون ،الذي لم يستجب مطلقا للانتقاد الاميركي، استغل العبارات القوية التي استخدمها بوش بشأن الحاجة إلى مكافحة الارهاب في تبرير أفعاله.
وكانت قد حدثت مواجهات سابقة بين إسرائيل والولايات المتحدة. ففي عام 1982 حدث خلاف شديد بين الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب الغزو الاسرائيلي للبنان، عندما كان شارون آنذاك وزيرا للدفاع وقائدا للقوات الاسرائيلية الغازية.
وكانت الولايات المتحدة قد أظهرت تسامحا مع الغزو في بداية الامر حيث اعتبرته عملا مبررا للدفاع عن النفس ضد الهجمات التي تنفذها منظمة التحرير الفلسطينية عبر الحدود الاسرائيلية. واتساقا مع هذا الموقف حصل وزير الخارجية الاميركي في ذلك الحين ألكسندر هيج على تأكيدات من شارون بأن القوات الاسرائيلية لن تتوغل أكثر من 40 كيلو مترا شمال الحدود الشمالية لاسرائيل.
وفيما كان هيج يقوم بإبلاغ الرئيس الاميركي رونالد ريجان والصحف الاميركية بهذه التأكيدات حنث شارون بوعده، حيث زحفت قواته إلى ضواحي بيروت متجاوزة المسافة التي حددها شارون نفسه.
وبرر شارون فعلته للمبعوث الاميركي موريس درابر قائلا أن "الظروف قد تغيرت".
وقتها استشاطت الحكومة الاميركية غضبا، إلى حد أن لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ هددت بقطع كافة المساعدات العسكرية لاسرائيل. وفي نهاية الامر قرر ريجان إقالة هيج الذي كان أحد المناصرين الرئيسيين لاسرائيل داخل الادارة الاميركية.
وعندما وقفت القوات الاسرائيلية متفرجة أثناء قيام الميليشيات المسيحية بذبح المئات من الرجال والنساء والاطفال الفلسطينيين في مخيمات صبرا وشاتيلا للاجئين، على مشارف بيروت، قررت الحكومة الاميركية في نهاية الامر اتخاذ موقف متشدد مع الحكومة الاسرائيلية. وسحب شارون بالفعل قواته إلى مسافة الـ 40 كيلو مترا التي سبق ووعد الولايات المتحدة بها.
ولعل أحد الدروس المستفادة من تلك التجربة، التي مضى عليها عشرون عاما، هو أن الانخراط الاميركي في الشرق الاوسط لا يمكن أن يكون متقطعا أو عارضا. ويمكن للولايات المتحدة العمل مع الدول الاخرى - سواء الاوروبية أو الدول العربية المعتدلة - ولكن لا يمكن استبدال الدور الاميركي في المنطقة باي دور آخر للحفاظ على قدر من السلام في المنطقة.
لقد تعلم جورج دبليو بوش هذا الدرس - وإن كان لم يستوعبه بالكامل بعد.