تحليلات وثابة

هدوء الدولة العميقة في آخر أيام ترامب، وعدم اقدام الرئيس السابق على تحديها، درسان للعقلية العربية بأن النبوءات الكرتونية لا مكان لها في دولة مثل الولايات المتحدة.


ما قلب الأمور على ترامب هو فشله في احتواء وباء كورونا


إذا كان ترامب جلب الإدانة لنفسه فليس لأنه أسوأ من غيره بل لأنه لا يفهم الدولة العميقة


لا يزال الذين ينادون بالعلمانية متهمين بالخيانة رغم أن العلمانية أنقذت كثيرا من دول العالم

إذن ترامب لن يتخلى عن الحقيبة النووية، وأرسل طائرات عملاقة الى الخليج لأنه سيضرب ايران ويشعل منطقة الخليج قبل أن يغادر، ويوعز لأنصاره أن يفجروا موقع التنصيب ويدخل الولايات المتحدة في حرب أهلية تؤدي الى انقسامها كما أن ترامب خلق مرحلة جديدة اسمها "المرحلة الترامبية" التي تتسم بالعنصرية والكره للآخر، كما ستحقق نبوءة برنامج سمبسون الكرتوني ويقوم احد باغتيال ترامب، وطوال الأسبوع الذي سبق تنصيب بايدن ظل الجميع ينتظرون حدوث شيء من ذلك لكن أيا منه لم يحدث وجرى نقل السلطة بسلاسة وأمن.

إنهم يظنون أن العقلية العربية ظهرت في الولايات المتحدة وانتهى الأمر، ونسوا أنها دولة قائمة على المؤسسات، وترامب لم يؤسس لمرحلة جديدة وكل الادارات الأميركية مليئة بالعنصرية والكراهية للآخر المختلف واحتقار العرب. الفرق الوحيد هو أن ترامب صرح بذلك والآخرون لم يصرحوا. وإذا كان ترامب جلب الإدانة لنفسه فليس لأنه أسوأ من غيره، بل لأنه لا يفهم الدولة العميقة في الولايات المتحدة، وأدلى بتصريحات أساءت للنظام المؤسسي.

هل هناك أسوأ من بوش الأب والابن وأوباما؟ لقد نشروا الخراب في كل زاوية من العالم العربي، وهم يحملون ازدراء واحتقارا للعرب أكثر من ترامب ويتسابقون على نشر الخراب ودعم اسرائيل بكافة الأشكال، وبوش الأب والابن شنا حربين على العراق وأوباما بدأ مشروع الشرق الأوسط الجديد وكان يتجاهل الزعماء العرب في المحافل الدولية ولا يصافحهم وله صورة مع أحد الشخصيات البارزة وكان يجلس رافعا رجليه على الطاولة وحذاؤه في وجه هذه الشخصية العربية. ومشكلة ترامب أنه صرح بالموقف الأميركي الحقيقي وتصرف كالحكام العرب وجلب أسرته وأنسباءه الى مراكز السلطة وعين مسؤولين ثم عزلهم بسرعة وأتى بغيرهم. وعلى أية حال، فهذا ليس السبب في عدم فوزه فهذه أمور ليست قاصمة، فقد كان الأميركيون راضين جدا عن ترامب وانجازاته وتقديمه لأميركا على بقية الشعوب ودعم الاقتصاد الأميركي، ولكن الذي قلب الأمور هو فشله في احتواء وباء كورونا وارتفاع عدد الوفيات والاصابات الى مستويات مرعبة.

أما اللجوء الى العنف في الصراع على السلطة فهذا تقليد عربي عريق لا ينطبق على الولايات المتحدة لأن فيها مواطنين متفقين على القيم الأميركية وفاهمين للدستور الأميركي ولا يسمحون لفرد أن يسيطر على الدولة ويخرج عن الدستور أو يعدل بنوده على مزاجه كما يحدث في بلاد العرب وحين تجتمع المعرفة مع القوة عند الجميع ويتفقون على قيم مشتركة، فلا مكان لسيطرة الفرد، والقائد يأتي الى السلطة فقط بالانتخاب واذا كان هناك شك فالقضاء يحسمه ويمنع اندلاع الحرب الأهلية.

هذا هو معنى الدولة العميقة التي تسيطر المؤسسات عليها وليس الأفراد، وهذه المؤسسات تؤمن بالدستور وتتصرف بموجبه وهي التي جلبت رؤساء ومسؤولين زنوج وملونين الى السلطة وهي التي تجعل مقاضاة المسؤولين أمرا يسيرا ولا قداسة لأحد في الداخل الأميركي، أما السياسات نحو الخارج، فيتم الاتفاق عليها، وهناك أمر محسوم ومتفق عليه ولا شك فيه وهو كراهية العرب والرغبة في استنزاف مواردهم وتدميرهم، أما العربي الذي يحصل على الجنسية الأميركية فلا يجوز التمييز ضده، ويتمتع بكافة الحقوق التي يمنحها له الدستور.

أميركا دمرت العراق وسلمته لايران وهي تهدف الى فتح باب لايران للدخول الى الدول العربية وجعل العرب يقتلون بعضهم البعض في الحروب الطائفية وعندما ذهب القادة العرب للاجتماع بالرئيس أوباما الواحد تلو الآخر وهم يحاولون وقف نزيف الدماء في خضم ثورات الربيع العربي والحروب الأهلية، قابلهم بالازدراء والبرود، وهو يعرف أن الخطة الأميركية ماضية قدما ولن تتوقف بطلب من أحد القادة العرب، ولكنهم لم يصرحوا بالكراهية للعرب على الرغم من أنهم عبروا عنها عمليا وبأبشع من طريقة ترامب.

لا يزال العرب يعيشون في نفس البوتقة الفكرية الموروثة ويرفضون الخروج منها، ويتصورون أن ترامب سيشد على الحقيبة النووية ويجري والديمقراطيون يجرون خلفه لانتزاعها منه، وأنه سيضرب ايران في اللحظة الأخيرة، إنه لتفكير رغائبي محض لم يحدث شيء منه ولن يحدث. فالقاعدة هي استنزاف العرب وتدميرهم ومساعدة اسرائيل على التوسع، ودعم ايران في مزيد من التمدد ونشر الخراب، وقد سبق وأن حدثت أمور مفاجئة بين ليلة وضحاها.

لا فائدة من الإعادة والإزادة، فلا يزال الذين ينادون بالعلمانية وفرض حكم القانون متهمون بالخيانة، على الرغم من أن العلمانية أنقذت كثيرا من دول العالم، ووحدت الشعوب والثقافة الوطنية من أجل مصلحة الدول وحقن الدماء ورفع القداسة التي تسبغها الأديان على أفراد بعينهم دون بقية الشعب، ولو أن العرب تبنوا العلمانية كأسلوب حكم وحياة ورفعوا الدستور في وجه كل من ينتهك القانون أو ينتهك مبدأ سمو الدستور، لما تفرقوا حسب الأديان والأعراق ورفعوا السلاح في وجوه بعضهم البعض، ولكن لا حياة لمن تنادي.