تحصين الدولة.. الإمارات أنموذجاً

‏ذكرت الأستاذة سوسن الشاعر في مقال لها عن تقصير دور الدولة العربية في تحصين فكرة الدولة إذ أن ‏المؤسسات الحكومية في الدول العربية بشكل عام لا تتحرك إلا بعد ‏ظهور ‏أصحاب الأفكار الهدامة وحملهم للسلاح ضد الدولة ‏وحينما تتمكن الدولة من إطفاء وإخماد تلك الجماعات ‏يقتصر دورها على الجهد الاستخباراتي والمتمثل في مراقبة أعمال تلك الجماعات.

‏وبالفعل لم تخلُ دولة عربية إلا وكان بها أفراد من أصحاب الأفكار الهدامة ‏ولكن الفرق كان واضحاً فهناك دول ‏ ‏استطاعت ‏وبسرعة كبيرة إخماد تلك الافكار ‏وتحجيم دور أصحابها في الدولة وهنالك دول أخرى نراها ‏تأخذ فترة طويلة لمواجهة مثل هذه الأزمات وهذه التحديات، ‏والتفاوت في الفترة الزمنية التي تحتاجها الدول ‏لتجاوز مثل هذه التحديات ‏لا تعتمد على الجهود المبذولة أثناء ظهورها وإنما على جهود الدولة التي قامت بها على مدار سنوات عديدة في تحصين الدولة وشعبها وذلك من خلال زرع الهوية الوطنية وتأكيدها في نفوس أفراد المجتمع لمواجهة تلك التحديات.

إن الحروب التقليدية قلّت وبشكل كبير في هذا الزمن، فمن النادر أن نرى مواجهة عسكرية مباشرة بين دولتين أو أكثر، والحرب الآن هي أشد وأخطر لأنها تبدأ من داخل الدولة ضد المؤسسات المدنية والعسكرية، فكما يلزم الحروب التقليدية تدريبات وتكتيكات عسكرية مسبقة للحرب بهدف الإنتصار كذلك حرب الأفكار تحتاج إلى تنشيط دور المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية لتحصين أفراد الدولة من الأفكار الهدامة قبل أن يبدأ أصحابها بنشرها علانيةً، ولن أبالغ إن قلت بأن دولة الإمارات هي الدولة العربية الوحيدة التي استعدت لحرب الأفكار الهدامة خير استعداد، ففي عام 2008 أعلن الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات أنه عام للهوية الوطنية فأصبحت الأعوام التالية جميعها أعوام مسخّرة للوطن، فكثرت الندوات والجلسات والمحاضرات التي تبين أهمية الإيمان بمفهوم الدولة وبيان مغالطات أصحاب الأفكار الهدامة والهدف الذي يسعون إليه، فأصبح الشعب مؤمنا بهويته الوطنية، والهوية أصبحت العقيدة الثابتة التي لا يرضى بأن يشكك بها أحد، والهوية أصبحت الولاء للرئيس والإنتماء للأرض والثقة بالحكومة والأجهزة الأمنية والمؤسسات العسكرية، ولم تقتصر الهوية عند ذلك وإنما برزت في مختلف الميادين فأصبح الجميع يعمل من أجل الوطن، ومن خلال ذلك نستطيع القول بأن بالإمكان تحصين الأوطان بسلاح الهوية الوطنية.

إن ظهور جماعة الإخوان في الإمارات وتنظيمهم السري كان إختباراً للسلاح الذي صنعته دولة الإمارات لمواجهة حرب الأفكار غير المؤمنة بالدولة، قد يظن المتابع لمجريات الأحداث أن التنظيم لم يكن خطيراً ولكن على العكس تماماً إن فروع الإخوان في مختلف الدول يتبعون تنظيما واحدا، وأسلوبا موحدا، وكلما هنالك أن لكل دولة كان لها أسلوبها الخاص في التعامل مع هؤلاء، وبهدوء أنهت الإمارات هذا التحدي، ليس فقط لقوة الأجهزة الأمنية وإنما للرصيد الشعبي الذي تملكه الدولة والذي يعد حصاداً للجهود التي بذلتها المؤسسات لتحصين الدولة بالهوية الوطنية.

إن الدول التي تريد تحصين نفسها عليها أن تركز على شعبها عن طريق مؤسساتها المدنية وأن لا تجعل الحمل فقط على الأجهزة الأمنية، وقيمة التحصين تظهر في التحديات الفكرية ولأن الشعب حينها يكون محصناً سيسهل على الحكومة تجاوز التحدي بسرعة وسهولة.