تحديث الخطاب الديني.. مهمة ملحة

الأزمة في جوهرها سياسية لا دينية

كثرت الدعوات ومنذ عقود من قبل مفكرين ورجال دين تنويرين في العالم الاسلامي بضرورة تحديث الخطاب الديني، كي يصبح هذا الخطاب، بنظرهم، منسجما مع طبيعة الواقع الاجتماعي في الزمن الجديد، ولكن لا احد منهم يخبرنا كيف بالامكان تحديث الخطاب الديني بحيث يصبح منسجما مع التحولات البنيوية في المجتمعات الاسلامية وكيفية اجتراح معان ودلالات جديدة من النصوص الدينية اكثر عصرية وحضارية يمكن الباسها على اجساد هذه المجتمعات دون ان تبدو نشازا وتتناغم مع حركة العصر وثورته العلمية التكنولوجية؟

يبدو ومن خلال الواقع السياسي والتاريخي لهذه المجتمعات ان عملية تحديث للخطاب الديني مستحيلة، كون هذه المجتمعات متراجعة حضاريا وأمسها افضل من يومها ومستقبلها ملتبس، وهي وتعيش دائما في الماضي وتجتر افكاره وقيمه وكشوفاته المعرفية وتتمثل قادته وفرسانه وفتوحاته للمجتمعات الاخرى، كما ان هذا الماضي موضع فخر هذه المجتمعات لانها لا تمتلك غيره كونه يمثل هويتها وكينونتها الحضارية وكنز علومها ولا يمكن مقارنته مع الحاضر والذي تغيم سمائه بالحروب الطائفية والدينية وصرخات الموت واستغاثات النازحين والمستقبل المبهم والذي يبدو باهتا وبلا لون، من دلائل تراجع المجتمعات الاسلامية نحو مراحل البربرية والتوحش انها وفي كل عقد من الزمان بدأت تظهر فيها منظمات ارهابية تكفيرية يدين لها الكثير من ابناء هذه الشعوب، مذهبيا، بالولاء والانتماء تستند في برامجها الى الشريعة الاسلامية وتستمد عناصر بقائها من تأويلاتها المرضية المشوهة للنصوص الدينية، ومع كل تقدم للزمن يزداد التطرف والغلو والعصبية الدينية والقبلية واخيرها وليست خاتمتها منظمة داعش الارهابية والتي سامت الشعوب العربية في العراق وسوريا وليبيا ومصر والبلدان الاسلامية وغير الاسلامية اقسى انواع القتل والتهجير وتخريب المدن والمعالم التراثية والدينية.

تعلني المجتمعات الاسلامية من أزمات ثقافية عميقة ساهمت بشكل وبآخر على نمو الارهاب والطائفية والتطرف وشيوع المنطق السلفي المتحجر وطفحت على السطح كل البدع واحاجي الاوهام والخرافات شجعها في ذلك تهشم البنى التحتية في هذه المجتمعات وفقر المؤسسات السياسية والاقتصادية والقانونية واعتماد النهج الدكتاتوري في ادارة مقود البلدان وفرض الاقتصاد الريعي الاستهلاكي الاحادي الجانب، فهي تُخرج ما في الارض من نفط وغاز ومعادن نفيسة وتقوم ببيعها وتوزيع بعض ايراداتها على الشعب كي يستورد حاجياته ويشبع رغباته وغرائزه من اجل ان يبقى حيا لا هم لديه الا التطفل على المجتمعات الاخرى ومناصبتها العداء وابتكار كل السبل الدموية من اجل ايقاف حركة التطور التي تجتاح المجتمعات الاخرى وخاصة الغربية منها وخلق المشاكل لها وتصدير العنف والعمليات الارهابية لها تحت ذرائع محاربة الكفر والتحلل الاخلاقي ونشر مبادىء الدين الاسلامي والدين، اي دين، من كل هذه الاعمال براء.

إذن كيف يتم تحديث وترحيل نصوص دينية،عمرها الف واربعمائة سنة محملة بالقيم الحياتية والعلمية والثقافية والروحية لم يتفق على تأويلها العلماء ورجال الفقه من لحظة نزولها وحتى يومنا هذا كونها حمالة اوجه والابهام يلف كثيرا من نصوصها ما تسبب بظهور فرق ومذاهب اسلامية مختلفة،وفرضها على زمن جديد يعج بالتخلف وغياب لمنطق العلم في مجتمعات تحكمها القدرية والسلفية والفوضى واللاادرية،تحارب كل مظهر من مظاهر الحضارة والمدنية والتحرر وتلاحقه بالتكفير والزندقة والخروج عن شرع الله..لقد حاول الكثير من الباحثين والمفكرين والفلاسفة وبعض الاصلاحيين من رجال الدين في العالم الاسلامي ان يعملوا على تحديث الخطاب الديني وقد ظهر هذا جليا منذ بدايات القرن العشرين وحتى يومنا هذا واستعاروا المناهج العلمية في تفكيك هذه النصوص وتقشيرها واستخراج ما ينسجم، حسب تصوراتهم، مع واقع المجتمعات ولا يتعارض مع طقوسها وعاداتها وتقاليدها وقيمها التاريخية، هذه المحاولات الجادة اصطدمت بعدد من العوائق منها المؤسسة الدينية التقليدية والتي اعتبرت اي اشتغال جديد على النص الديني اختراق لحرمة هذه النصوص وقدسيتها ويدخل هذا الامر ضمن دائرة المحرمات والاعتداء الاثيم على الذات الالهية،ولذا قامت هذه المؤسسات باصدار فتاوي التكفير وملاحقة هؤلاء الضالين وصب لعنات الغضب عليهم وقتلهم وملاحقتهم حتى في غربتهم وتخريب عوائلهم وتطليقهم من زوجاتهم.

هذا من جانب اما فيما يخص اشتغال العلماء المحدثين فانهم لم يغوروا في الواقع الاسلامي جيدا ليستنبطوا أحكامهم وتصوراتهم الحديثة وحاولوا ان يطبقوا، عددهم الثقافية واستعاراتهم المنهجية من المدارس الغربية في نقدهم للنصوص ثقافية كانت ام دينية من بنيوية وتفكيكية و...، عنوة وبقسرية على هذه المجتمعات دون ان يتأملوا خصوصية كل مجتمع وطبيعة علائقه الانتاجية والاجتماعية فجاءت نتائجهم فضفاضة لا تستر العوز الفكري وخلقت نوعا من الفصام بين التلقي الجماهيري وبين كشوفاتهم المعرفية الدينية.

الفكرة لا تخلق الواقع هذا ما يؤكد عليه الفلاسفة ولذا فان كل المجتمعات الاسلامية لا يبشر مستقبلها بالخير وكل يوم يمر تجنح هذه المجتمعات نحو الانغلاق والتطرف والغوص اعمق في مستنقع الماضي وتشوهات احداثه. في نهاية القرن العشرين كانوا مجموعة جهاديين في المنطقة العربية قاتلوا الروس في افغانستان واصبحوا بفعل الدعم الامريكي والموساد الصهيوني تنظيمات ارهابية متنامية من قاعدة وطالبان ليتطور الحال وبزمن قياسي لا يتعدى العقدين من الزمان الى منظمة تطلق على نفسها داعش تعتبر نفسها الوريثة الشرعية الوحيدة للدين الاسلامي، اكتسحت بجهلها وظلاميتها بلدان كسوريا والعراق ويدها اليوم تمتد في كل بقاع العالم سواء في شرقنا الاسلامي ام في الغرب المسيحي وتستعبد تخرصاتها العقول الفارغة،ويبشر الزمن القادم ظهور تنظيمات اشد فتكا وعدوانية من داعش لان المجتمعات الاسلامية مخربة بالكامل ولا ينتج واقعها المتشظي المتعفن بالاباطيل والسخافات الا انكماشا في الوعي وتراجعا في الانسانية والدخول في غابة الهمجية والبدائية، قبل ان يطالب المصلحون بتحديث الخطاب الديني عليهم ان يقرأوا تحولات الواقع الدراماتيكية، فهذا الواقع هو مصدر كل شيء، هو الظلام وهو النور، هو التخلف وهو الحداثة وهو الموت وهو الحياة، ولذا فان عملية اعادة المجتمعات الاسلامية الى ركب الانسانية،كي تلحق المجتمعات الاخرى وتنافسها في مضامير العلوم والتحضر، يجب ان يكون من خلال بناء نظم سياسية عصرية بمؤسسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وقانونية هذه النظم هي من ترسي مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة وتحرر العقل السجين في هذه المجتمات وترتقي بالنصوص الدينية انسانيا كونها نصوص ثقافية ومعرفية واخلاقية وتمنحها معان ودلالات جديدة تنسجم مع روح العصر وتمظهرات الواقع وتعمل على ترسيخ الحياة السعيدة وتاصيلها، وهذا لا يشمل النص الديني فقط بل كل العلائق الانسانية وانماط التفكير والتلقي والذائقة وكل المشاعر والسلوكيات النفسية والوجدانية.

لم يعمد الغربيون الى تحديث الخطاب المسيحي رغم كل ما فعلته الكنيسة من فظائع وجرائم وفتن لكن الثورة الصناعية التي اجتاحت الغرب منذ القرن الثالث عشر هي من فرضت تحديث الخطاب المسيحي حتى يصبح محايثا للواقع التكنولوجي الصناعي الجديد،وارتضت الكنيسة ان تفك وثاقها عن هياكل الدول وان لا تتدخل في شؤون السياسة، رغم محاولات السلفيين المسيحيين على اشراكها لكنها محاولات لم يكتب لها النجاح الدائم، ولذا ومنذ قرون كانت حركة الغرب منتظمة ومتسقة لان هناك ضابط ايقاع لهذه المجتمعات الا وهو العلم بمؤسساته المدنية والاجتماعية وقوانين عدالته وروح مواطنته، ارتضت الكنيسة لنفسها ان تكون الداعمة الروحية لرعاياها واهتمت الدولة بشؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتوفير مستلزمات الرفاهية والامان والمستقبل الرغيد، الدعوات لتحديث الخطاب الديني في المجتمعات الاسلامية لا يفيد بشيء بل احيانا يزيد الامور تعقيدا.

ما يحتاجه العالم الاسلامي انظمة سياسية عادلة تتحقق فيها مبادىء المواطنة والحرية والمساواة الاجتماعية، انظمة تتخذ من العلم عنوانا لها، تطور الصناعة والزراعة وتوفر كل متطلبات ومستلزمات الحياة الكريمة، العلم هو من ينقل المجتمعات الى نمط التفكير الحداثي ليس في نطاق الدين فقط بل في كل مناحي الحياة، أزمة مجتمعاتنا سياسية وليست دينية، لكن في ازمنة الفوضى وغياب التخطيط يتداخل ما هو ديني مع ما هو سياسي ويضيع الرشد ويبقى البحث عن الحلول في متاهة الفقه الديني (المقدس) وفي التعامل الفوقي العاطفي المجرد مع الواقع دون الاقتراب من آليات تطويره.

سلام حربة

نشر في المدى البغدادية