تحديات مواجهة التهديد الإرهابي بإفريقيا

أضحى الأمن والاستقرار في أفريقيا محط اهتمام المجتمع الدولي، وأولوية استراتيجية لا تقل أهمية على ما يحدث في الشرق الأوسط من أزمات مستعصية على الفهم والحل. فتطورات الأحداث في ليبيا والوضع غير المستقر بشكل نهائي في مالي، بالإضافة إلى الأزمات التي تعيشها كل منطقة الساحل والصحراء، أصبحت تداعياتها تؤثر سلبا على الاستقرار والأمن الإقليمي والعالمي.

منتدى مراكش

في منتدى مراكش للأمن، الذي ينعقد بمراكش بين 13 و14 فبراير الجاري، أكد المشاركون على أهمية مزج الأمن بالتنمية كمقاربة لمواجهة التهديدات الإرهابية التي تواجه القارة الإفريقية. فالمشاركة في التصدي للتحديات أصبحت مطلبا جماعيا لكل دول المنطقة والمنظم الدولي، الشيء الذي جعل مدير الاستراتيجيات والمخططات والبرامج بالقيادة العسكرية الأميركية بإفريقيا الادميرال كيفين، يؤكد على انه ليس بمقدور أي دولة مهما بلغت قوتها، أن تواجه التهديدات الإرهابية لوحدها لكون هذه الظاهرة تتطلب تعاونا مكثفا وشاملا بين الدول.

تعتبر الهجرة غير الشرعية والإرهاب والمتاجرة في البشر والسلاح والمخدرات، مجموعة فواعل مشتركة تعمل على تهديد الاستقرار والأمن ليس في المنطقة فقط وإنما تداعياتها صبحت مخترقة للحدود وتصل إلى الدول الغربية. وقد أكد رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية محمد بن حمو، في مداخلته في افتتاح الدورة الساسة لمنتدى مراكش للأمن أن "التحديات التي ظلت لوقت طويل مجزأة، أضحت اليوم مترابطة فيما بينها مما يفرض ضرورة وضع آليات لمعالجة إشكالية الإرهاب بجميع أبعاده". وهذا يؤكد النظرية القائلة أن تناسل ونشاط التنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل والصحراء، يمكنها أن تهدد استقرار المناطق المجاورة وعلى رأسها إفريقيا الغربية.

المعروف أن انهيار المنظومة الأمنية لبعض دول المنطقة ورخاوة الحدود، أرخى بظلاله على استمرار الأزمات المتداخلة الخطوط والمتعددة اللاعبين والمتدخلين مناطقيا ومصالحيا. ولا يخفى أن هذه الوضعية تستغلها جماعات متطرفة تتغذى على عدم التنسيق الدولي والإقليمي الجاد في محاربتها وحتى إن كان ففي أدنى مستوياته، نظرا لكون بعض دول المنطقة لا تريد التخلي عن عقدة الحرب الباردة واستعداء الجيران على حساب الأمن والاستقرار. الخطير هو تحالف جماعات متطرفة مع مافيات المخدرات وتهريب الأسلحة والبشر، تحالف يهدد دولا ويعمق فشل دول أخرى.

تهديدات ونماذج حل

منطقة الصحراء والساحل كادت أن تصبح مرتعا لتهريب السلاح والمخدرات وطريقا سالكا لظاهرة الهجرة غير الشرعية، وهناك إحصائيات تقول بأنه سنويا يعبرها ما يقارب 150 طنا من الكوكايين سنويا، 32 في المائة منها تذهب نحو أوروبا.

جل الدراسات تؤكد أن منطقة الساحل والصحراء تعيش واقعا هشا وغير مستقر يهدد بتفاقم الأزمات الأمنية، والتي زادها تعقيدا تناسل الجماعات المتطرفة التي دخلت في حلف مع كارتيلات السلاح والمخدرات والهجرة غير الشرعية. وتعتبر المملكة المغربية مرتكزا أساسيا وبوابة الحلول المقترحة لأي مقاربة تتغيا الاستقرار والأمن. وذلك بحكم استقرارها السياسي والاجتماعي وموقعها الجيواستراتيجي كنقطة ارتكاز في المنطقة.

فالتهديدات التي أفرزتها أزمة ليبيا ومالي والنيجر وتداعيات ما يحدث بالشرق الأوسط، جعلت من ادوار المغرب لا محيد عنها في تفعيل المبادرات المختلفة لإحلال السلم والتنمية. وهذا ما أكده رئيس مصلحة العلاقات الخارجية بالمركز العسكري للدراسات الإستراتيجية بإيطاليا كول أليساندرو كاريل، في تدخله بندوة مراكش للأمن، في أن "المغرب هو البلد الوحيد الذي ينعم بالاستقرار بفضل مجموعة من الإصلاحات التي قام بها الملك محمد السادس"، مضيفا أن "المغرب يحارب التطرف من خلال القيام بإصلاحات سياسية".

مبادرات

وقد انطلقت العديد من المبادرات على المستوى الإقليمي ومنها برنامج محاربة الإرهاب في الساحل، تهدف إلى دعم القدرات المحلية وتحسين التعاون الإقليمي في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وقد اعتبر مجلس الشراكة المغرب- الاتحاد الأوروبي السنة الماضية في دورته الـ12، أن منطقة شمال أفريقيا تحظى بالأولوية في مجال مكافحة الإرهاب، وأن التعاون بين المغرب وبلدان منطقة الساحل والصحراء يتعين أن يتطور من أجل مكافحة الشبكات والجماعات الإرهابية بنجاعة أكبر. حيث أشاد الاتحاد الأوروبي بدور المغرب باعتباره مشاركا فاعلا في المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، والتقدم الذي أحرزته المملكة في مجال مكافحة تمويل الإرهاب.

منطقة نفوذ

تشكل دول الساحل والصحراء الممتدة جيوسياسيا من المحيط الأطلسي غربا مرورا بالسنغال ودول غرب إفريقيا ووسطها وصولا إلى السودان والبحر الأحمر، رهانا دوليا لامتلاكها مخزونا مهما من مصادر الطاقة واليورانيوم ومعادن ثمينة وسوقا استهلاكية قابلة للنمو. والتنافس بين القوى الكبرى وتداخل مصالحها تجعل من استقرار هذه المنطقة هدفا استراتيجيا مشتركا.

تعتبر أزمتي مالي والنيجر مهددتين بشكل مباشر للمصالح الأوروبية، وبخاصة فرنسا التي تدخلت عسكريا في مالي، الشيء الذي جعل من الوصول إلى الموارد الطبيعية الإستراتيجية بإفريقيا أكثر صعوبة. وقد شدد المستشار الخاص برئاسة جمهورية الكاميرون نارسيس موويل كومبي، على أن الإرهاب يعد التحدي الأمني الأكثر حضورا بإفريقيا بالنظر لطابعه المتعدد الأشكال والأبعاد. واعتبر أن الحرب التي تشنها جماعة بوكو حرام بنيجيريا تعد تجليا للتهديد الإرهابي العابر للحدود بإفريقيا، انطلاقا من كون هذه الجماعة أضحت تهدد أمن واستقرار عدد من البلدان من بينها نيجيريا والكاميرون والنيجر وتشاد والبنين.

لكن ما يزيد الوضع تأزما هو التنافس الدولي على مناطق النفوذ والطاقة بإفريقيا، فأميركا والصين اكبر منافسي فرنسا والدول الغربية، زاد من حدته تمركز واشنطن بإفريقيا امنيا واقتصاديا بعد 2001، حيث انها تريد مراقبة باب المندب على البحر الأحمر باعتباره ممرا مائيا ذو أهمية اقتصادية وسياسية وتجارية وعسكرية، فهو نقطة التقاء بين دول الخليج وجنوب شرق آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط.

قوة ناعمة

إن إستراتيجية القوة الصلبة لم تعد كافية للتعامل مع التنظيمات المتطرفة والإرهابية، بل اقتضت الظروف إدماج القوة الناعمة التي تتجلى في خطط التنمية والحلول السياسية والفكرية وتقوية الاقتصاد المحلي والاهتمام بالفرد واحتياجاته لتجفيف منابع تلك التنظيمات.

الأكيد هو أن محدد القوة الصلبة لا يمكنه أن يصمد أمام مخاطر الإرهاب بمنطقة الساحل والصحراء، الشيء الذي يستلزم تعزيزها بقوة ناعمة أكثر فعالية لتقويض أركانه وعزل عوامل تطوره. وذلك بوضع حد للصراعات سياسيا بالحوار بين الفرقاء، إلى جانب تقوية النسيج المجتمعي بالمشاريع التنموية الاقتصادية المدرة للدخل والاهتمام بتحسين الظروف المعيشية للمواطن بمحاربة الفقر والتهميش الاجتماعي.

سياسيا فمحاصرة التهديدات الصاعدة الناتجة عن التطرف والإرهاب، يتم بتحيين الحكامة وتقوية دولة القانون، وإعطاء فرصة حقيقية للتعاون الإقليمي بزيادة التنسيق بين دول المنطقة والدول المعنية. فإفريقيا تحتاج إلى منح مالية مهمة وتضامن أخلاقي ومراعاة ظروفها الاقتصادية ومساعدتها على الاندماج في الاقتصاد العالمي.