تحديات ليبيا بعد القذافي

بقلم: د.خليل حسين

ربما سيشكل إسدال الستار على مرحلة القذافي، الوضع الأكثر صعوبة وحرجاً في تاريخ ليبيا السياسي المعاصر، لما ستواجهه من تحديات داخلية وخارجية هائلة، من الصعب قراءة تفاصيها للعديد من الاعتبارات والأسباب الذاتية والموضوعية.

فليبيا اليوم في المفترق الثاني بعد سقوط طرابلس، وهي في مرحلة انتقالية نحو الاستقلال الثاني أيضا بعد الايطالي والقذافي، فهل ستتمكن القوى السياسية من نقل البلد من مرحلة المشاع السياسي الذي ساد أربع عقود ونيف إلى مرحلة بناء الدولة العصرية المنشودة؟

في المبدأ، ثمة سوابق كثيرة في التاريخ أظهرت قوة الشعوب والمجتمعات على إعادة تكوين كياناتها السياسية، وإن تشابهت الظروف والمعوقات في كثير منها، يبقى الوضع الليبي الأشد حساسية في كيفية تخطي المصاعب التي تواجهه في الإطار المرحلي الحالي أو المستقبلي.

فليبيا هي الوحيدة حتى الآن بين الدول العربية التي دفعت أثماناً بشرية ومادية غالية جداً للوصول إلى مرحلة البدء في إعادة التكوين، عشرات آلاف القتلى والجرحى وانهيار شبه تام للمؤسسات التي لم تكن يوما تشبه مؤسسات الدول المتحضرة، كل ذلك في غضون شهور عدة، إضافة إلى تكريس شريحة اجتماعية واسعة جداً سميت ببيئة الثورة، علاوة على عدم وجود المؤسسات الحزبية ذات البرامج الواضحة التي من المفترض ان تسهم في الحراك السياسي الهادف والواعي لمتطلبات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للشعب الليبي.

باختصار إنها مرحلة الانتقال من الحالة السياسية الهلامية إلى مرحلة تبدو الأشد تعقيداً بمتطلباتها وظروف نجاحاتها.

ثمة مرحلة الإعلان عن التحرير النهائي، الذي يرتب استحقاقات سياسية - دستورية مصيرية في البناء السياسي للدولة المفترضة، وهي بطبيعة الحال ليست بطويلة ولا تتعدى الشهر بعد إعلان التحرير، والي بموجبه سينتقل الحكم من المجلس الانتقالي إلى الحكومة المفترضة، وأيضا يليها مرحلة الانتخابات المباشرة لتأسيس مجلس وطني تمثيلي، إنها ورشة عمل دستورية لم يعتد عليها المجتمع الليبي في ظل حكم نظام "الجماهيرية"، فهل سيتمكن من ذلك ولو بالحدود المتعارف عليها؟ وهل ستتجاوز التجمعات السياسية غير واضحة المعالم التنظيمية، أزماتها وعلاقاتها الطرية العود بعد اثنين وأربعين عاماً من شعار" من تحزب خان" الذي رفعه القذافي لقتل أي حياة حزبية منشودة!

وبصرف النظر عن متطبات بناء الدولة والنظام من كادرات بشرية ومادية، هل سيتمكن المجتمع الليبي من تخطي تلك المثالب دون الاستعانة بالآخر، الذي من المرجح ان يكون خارجيا؟

ان إعادة بناء المجتمع والدولة في مطلق نظام سياسي هلامي، تتطلب شروطاً ومستلزمات على قدر كبير من النوع والكيف والكم أيضا، فهل تتوافر تلك الشروط الضرورية في ظل محاولة الانتقال من بيئة الثورة إلى بناء الدولة؟ وهي حالة تبدو الأكثر صعوبة وحساسية في تاريخ المجتمعات الحديثة والمعاصرة والتي نادراً ما يتم تخطيها بيسر وسهولة.

وإذا كانت التحديات الداخلية تبدو قاسية، فالتحديات الخارجية لا تقل شدة وهولاً، في ظل ظروف ليبية استثنائية جداً، بلد يحاول الخروج من بين الأنقاض السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو يعرف تمام المعرفة ماذا ينتظره من الأطراف التي ساهمت بشكل أو بآخر في إسقاط نظامه البائد. وبخاصة قوى الناتو التي ستنتهي مهامها بمجرد الإعلان عن التحرير لتبدأ رحلة أخرى معطرة بروائح النفط والغاز.

لم يمر سوى ساعات معدودة حتى أطلقت كل من فرنسا وبريطانيا العنان للمخيلات الاقتصادية اللاهثة وراء عقود النفط والاستثمار وإعادة الإعمار، وبالتأكيد سيلحق بهما كل مكونات الناتو القريبة والبعيدة، لاقتسام جبنة ليبيا، فهل تمَّ الاتفاق بينها سلفاً قبل إسقاط النظام؟ أم ثمة حفلة أخرى على إعادة تكوين النظام الاستثماري الإقليمي والقاري في أفريقيا، من البوابة الليبية التي تمتلك من الجغرافيا السياسية من المؤهلات الواعدة في إطار الاتحاد المتوسطي التي تمتلك أطول شواطئه، والتي تنتج 2% من من إجمالي إنتاج النفط العالمي! وعطفاً على ما سبق أين موقع روسيا والصين من كل هذه الحفلة، هل ستستبعدان أم سيكونان مجرد مدعوين على وليمة لا شريكين فيها؟

ثمة ثروة هائلة كان القذافي يرقد فوقها، وهي ثروات مودعة في مختلف البيئات الاستثمارية الدولية، فماذا عنها وما هو مصيرها؟

وهل من أحد يعرف حجمها الحقيقي والتي تتجاوز بحسب خبراء غربيين حدود 160 مليار دولار، في ظل الانقراض السياسي لنظام القذافي؟

ربما تبدو ليبيا اليوم أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى خارطة طريق واضحة وشاملة، تعيد هذا البلد إلى الخارطة السياسية العربية والدولية، إنها مهمة المجلس الانتقالي الذي ينبغي أن يكون ريادياً في نقل شعبه من ضفة إلى أخرى ببرنامج واضح لا لبس فيه، لئلا تعود الثورة وتأكل أبناءها.

أخيرا، غريب المفارقات والمصادفات ما أطلقه القذافي يوماً في أحد المحافل العربية، حين توقع ان يأتي الدور على آخرين بعد إعدام الرئيس العراقي صدام حسين، واليوم صحت توقعاته.

قتل القذافي في حمأة حراك عربي حصد بعضهم والآخرون ينتظرون، فهل يتعظ من المعمرين في حكم شعوبهم ما أصاب عميدهم معمر؟

د.خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

www.drkhalilhussein.blogspot.com