تحديات الثورة الرقمية

بقلم: د.عبد النبي ذاكر
سعيد يقطين

من فعاليات المعرض الجهوي للكتاب والقراءة، المنظَّم من قِبل المديرية الجهوية لجهة سوس ماسة درعة، من 3 إلى 12 يوليو/تموز بفضاء ممرّ أيت سوس بمدينة أكَادير، وتحت شعار "صيف الكتاب 2008"، ألقى الناقد المغربي د.سعيد يقطين أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس، محاضرة الافتتاح في موضوع "الكتاب وتحديات الثورة الرقمية".
والجدير بالذكر أن هذا الباحث قد أغنى المكتبة العربية بدراسات جادة في هذا المجال، ونشير إلى كتابين هامين منها هما "من النص إلى النص المترابط" و"النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية"، اللذين يصدر فيهما عن وعي عميق بضرورة الانتباه إلى ما تفرضه الثورة الرقمية من تحديات على المثقفين في البلاد العربية.
وأولى هذه التحديات هي أننا نعيش حقبة تحول كبرى تجعلنا أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما؛ إما أن نعرف أننا أمام تحول ونعمل من أجل مواكبته، أو نبقى بمنأى عن طبيعة هذا التحول، وبالتالي لا نستنكف عن التشكي من هذا الواقع، ولا يقع هذا التحول على مستوى المغرب أو الوطن العربي، بل هو تحول عالمي.
والمتتبع للشأن الثقافي يدرك أننا أمام تحول حقيق يقتضي وعياً حقيقيا بنمط هذا التحول، وما لم نَعِ هذا التحول، ستظل نظرتنا سوداوية وتشاؤمية لهذا الواقع، ولن تكون لنا القدرة على التجاوب مع هذا التحول والتفكير فيه بما يتلاءم مع العمل الجديد الذي يمكن أن يفتحنا على حقبة جديدة.
ونحن في حاجة ماسة إلى نشر هذا الوعي بين رجل التعليم والباحث الجامعي والناشط الجمعوي والمناضل السياسي والمشتغل بما هو أساسي في الحياة، وبدون هذا الوعي، سنظل نحاكم واقعاً متحولاً جديداً بتصورات قديمة، وهذه المحاكمة تؤدي بنا حتما إلى الطريق المسدود.
نحن، إذن، أمام حقبة جديدة، وكل الحقب الجديدة تُحدثُ رجّة على كافة المستويات.
وكلما تأخرنا في تمثل حقيقة هذه التحولات، تأخر انتقالنا وتباطأت مشاركتنا في هذه التحولات.
لذلك، ينبغي تأسيس تفاؤليتنا بهذه الثقافة الرقمية على معرفة حقيقة هذه التحولات.
فما حصل مع الثورة الرقمية لم يحصل في أية حقبة من الحقب الشفوية والكتابية، لأننا سنجد أن كل القيم المضافة التي كانت في المرحلة الشفوية والمرحلة الكتابية أو الطباعية، تتحقق مجتمعة مع الثورة الرقمية وظهور الوسائط المتفاعلة من صوت وصورة ونص، محقِّقة بذلك حلم الإنسان الأكبر في صون الذاكرة الثقافية.
إن كل ما كان متفرقاً في وسائط متعددة، صار مشتركاً وموحداً في وسيط وحيد متداول وسهل الحصول عليه من طرف الناس كلهم، في الفضاء الشبكي.
هذا الفضاء الذي استجمع كل المعارف وجعلها متاحة للإنسان أنى كان.والوعي بأهمية هذا الوسيط هو أول تحدٍّ.
وما عجزنا عن تحقيقه في المرحلة الشفوية والمرحلة الطباعية، يمكن أن ننجزه الآن.
فالكثير من أمهات مصادر الثقافة العربية ما تزال مخطوطة، وعبر الوسائط الرقمية يمكن ـ على الأقل ـ تمكين الباحثين منها وتوفيرها ولو في الصورة المخطوطة.وأي تأخر في هذا الوعي، يجعلنا نتأخر ـ بكل تأكيد ـ في الوصول إلى ما وصلت إليه الثقافات في العالم.
والمؤسف ـ حسب د.يقطين ـ هو أننا لا نتوفر على مكتبات بلدية، بل حتى مكتبتنا الوطنية لا يمكن اعتبارها مكتبة وطنية بالمواصفات التي تحلم بها المكتبات الوطنية الأساسية.
إن ترقيم الثقافة صار واحداً من أهم الأسس التي يقوم عليها عصر المعلومات أو مجتمع المعرفة.
إذن، مشكل المعرفة لم يعد مطروحاً، فأين يكمن جوهر المشكل؟ يكمن أساسا في فك عقدة التحول من حقبة المطبعة إلى الحقبة الرقمية المعيشة.ولم يعُد مطروحاً سؤال المعرفة الكمية، بل الكيفية.
ولا يمكن تطوير المعرفة أو إنتاج الأفكار الكبرى والأطروحات، إلا بابتكار برمجيات كفيلة بجعل الثقافة قابلة للإنتاج والتلقي، والمجتمعات المتطورة ـ طبعا ـ هي التي تساهم في إنتاج هذه البرمجيات.
والتحدي الثاني الذي يقف أمام المثقفين هو كيف يستعملون هذه التقنيات المعلوماتية التي تفيدهم بها الثقافة الرقمية؟ بدون الإجابة عن هذا السؤال الحارق لا يمكننا أن ننخرط ـ كمثقفين ـ في صنع البرمجيات وإنتاج المعرفة والأدوات الأساسية لجعل المعرفة متداولة، كما لا يمكننا أن ننخرط في العصر الرقمي، الشيء الذي سيجعلنا نكون خارج الثورة الرقمية، لا أمامها.
المشكل، إذن، هو مشكل الوعي بالثقافة الرقمية أولاً، والانتقال ثانياً إلى الفعل للاشتغال وفق متطلبات العصر الرقمي.
والأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح في هذا السياق هي كيف يمكن الانتقال إلى هذه المرحلة في غياب الشروط الضرروية؟ وهل إنتاج المعرفة الرقمية مجرد موضات أو تقليعات جديدة؟ وما مدى مصداقية النصوص التفاعلية وغيرها من الأدب الرقمي؟ وكيف نفيد من الثقافة الرقمية في صون ذاكرتنا الثقافية؟ وهل ستُفقدنا الشبيكة العلاقة الحميمية بالكتاب؟
هذا هو رهان الثقافة الرقمية الجديدة، التي تقتضي معرفة جديدة بهذه الآليات، لخلق الإنسان الجديد.
وهذا المشروع الحضاري بحْر شاسع لا يمكن تعميقه إلا بالنقاش، ونحن نتحمل اليوم مسؤولية كبيرة جداً في الانتقال إلى الفعل أمام توفر الإمكانيات الكبيرة، ووجود مجالات بكر كثيرة في ثقافتنا العربية عموما والمغربية على وجه الخصوص.
ومن المفيد أن نشير إلى أن هذا "المعرض الجهوي للكتاب والقراءة" يتضمن موائد مستديرة وقراءات في إصدارات حديثة تنتمي لمجالات معرفية مختلفة، أذكر منها عقد لقاء حول كتاب "مفهوم التاريخ الأدبي: مجالات التوسيع وآفاق البحث" للمترجم حسن الطالب يقدِّمه المقارن عبد النبي ذاكر، وكتاب عبد السلام أقلمون "في رحاب السرد" يقدّمه الناقد عبد الرحمن التمارة، وكتاب "قبائل آيت عطا وتهدئة درعةالعليا" لمحمد احدى مترجما ًعن جورج سبّيلمان، يقدمه محمد الناجي بن عمر، وكتاب "دراسات صحراوية" للمؤرخ المغربي رحال بوبريك يقدمه الباحث النعمة ماء العينين، وكتاب "المركزية الحضرية في المدن المغربية" للأستاذ محمد بوغلو يقدمه محمد بَجالات، وكتاب "الطريق إلى تشغيل العاطلين بالمغرب..التشغيل ممكن" للأستاذ عبد الحفيظ فهمي يقدمه حسن الطالب، وكتاب "السياسة اللغوية، خلفياتها ومقاصدها" لمحمد خطابي مترجماً عن جيمس طوليفسون، يقدمه د.حفيظ إسماعيلي العلوي، وكتاب "تعريف المصطلحات في الفكر اللساني العربي: أسسه المعرفية وقواعده المنهجية" للأستاذ البشير التهالي يقدمه د.محمد الملاخ.
كما سيتم بالمناسبة تقديم قراءات في بعض الروايات والدواوين الشعرية الجديدة، كديوان "إيوران نتودر" للشاعر الحسين أجكَول الذي سيقدمه مبارك بولكَيد، وديوان "ضجر الموتى" للشاعر سعيد الباز بتقديم الناقد رشيد يحياوي، ورواية "الغُثاء" لزهرة المنصوري، ورواية "إيجكن نتيدي" لمحمد أكوناض.
كما ستتمُّ بالمناسبة أنشطة ثقافية وفنية واستكشافية خاصة بالطفل، وكذا تقديم عروض فنية ومسرحية وسينمائية وأشرطة وثائقية متنوعة.