'تحت سماء الكلاب' رواية تقبض على خناقك

بقلم: د. أفنان القاسم
انقلاب المعاني

روايتي "أربعون يوما بانتظار الرئيس"، رواية السقوط الفلسطيني، الصادرة في طبعتها الأولى بالجزائر عام 1992، ثم في طبعاتها العديدة في عمان والوطن المحتل (المحتل دوما).
مليون نسخة بيعت منها، كنت قد قدمت لها بكلمة عنوانها "إلى الأديب العربي الخاضع للموج"، أقول فيها:
"إذا لم يكن باستطاعتك أن تلعن الوثن العربي، أن تحطم كل شيء في مرآتك، وأن تكون من المنبوذين الخلاقين، فعليك أن تصمت، وأن يكون صمتك إلى الأبد، فلسنا بحاجة إليك ولا إلى أدبك! نريد أديبا جديدا في زمن جعلوه أقدم الأزمان وأحطها بأمرنا وولي أمرنا! هذا أمر القارئ الجديد عليك وأمر أمورنا!
انتهى عهد أولئك الذين يتلاعبون بالكلام، ويلعبون على كل الحبال، باسم التقدمية والديمقراطية والاعتدال أو عرض بنات الخيال! أتى عهد تدمير التدمير ونسف النسف وإعادة النظر في كل شيء، فإما أن تكون الكتابة هكذا أو لا تكون!"
وكان مني أن انتظرت خمسة عشر عاما دون أن أقع على عمل أدبي واحد يكون جوابا على ما قلت إلى أن قرأت مؤخرا رواية "تحت سماء الكلاب" للكاتب العراقي الفذ صلاح صلاح.
إنها رواية بركانية، خارجة عن المألوف، كنت أود القول "خارجة عن القانون" بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى التمرد والتفرد والاستثناء، تسير في الخط ذاته الذي رسمت لأدب الغد، تاركة من ورائها في المزابل كل روايات الصمت العربي والتجهيل والتطبيل والتعتيم وأول ذي بدء التدمير، ودفن شعوب حية بأكملها في قبور خيالية تعجز كل تلك الأقلام (النجومية) عن وصفها لأنها ضالعة في كتابة سيناريو الموت الرهيب لحسابات شخصية وانفصام الشخصية وأمراض نفسية مزمنة سنعرض لها في سلسلة من "الرؤى" في حلقات قادمة.
لنبدأ ملاحظاتنا السريعة هذه بالعبارة المزلزلة "هكذا كان منذ أيام بغداد" ص85.
كم هذه العبارة ملأى بالنوستالجيا! بغداد! أيام بغداد! أيام بغداد هنا لا تعني أنها كانت سعيدة بل بعيدة، جد بعيدة، بغداد الغارقة في الضباب، من غير ملامح ولا أبعاد، فيصبح لكل واحد (بغداده)، إنها الغربة في أقصى درجاتها.
كل شيء في الرواية يصل بك إلى أقصى الدرجات، أقصى درجات الهول، أقصى درجات اليأس، أقصى درجات الأمل، أقصى درجات المجانية، الضياع، اللاجدوى، العبثية، التشيؤ، التخشب، التشقق، التشظي، التعصب، العدم، أقصى درجات الهمجية، أقصى درجات الاشمئزاز، أقصى درجات التقزز، أقصى درجات الخيانة، أقصى درجات العهر، التعهر، نهايات الأمم، أقصى درجات الحب، الحب القلبي والحب الأبوي، أقصى درجات الرعب الأبوي، أقصى درجات الانهيار الأبوي، الانهيار، فقط الانهيار، الانهيار بكل بساطة، والموت الذي ينظر إليك، ينتظرك، الذي تشم رائحته في الورد، في شمس الصباح، في القر، في القيظ، في "بحيرات القتل والدم" ص180.
رائحة الموت تأتي من كل شيء، تطغى على كل شيء، حتى على الكلمات، رائحة الموت تأتيك من الكلمات!
أول مرة يحفزك الأسلوب (المباشر) على القراءة!
أول مرة تدفعك رواية سياسية إلى معرفة المزيد ولا يشكل (التفسير) السياسي صدمة لك!
لا يمكنك أن تقرأ هذه الرواية كما لو كنت تقرأ بلزاك مثلا، أن تنط عن الوصف إلى (الآكشن) أو إن شئت سير الأحداث، عليك هنا أن تقرأ كل كلمة، كل جملة، كل سطر.
هناك اهتمام كبير (عفوي تبعا لتجربة الكاتب الكابوسية) بالكلمات أكثر من المعاني؛ كل كلمة عبارة عن حكاية أو موضوع لحكاية، كل جملة عبارة عن فاجعة مستقلة، قائمة بذاتها.
لا معنى هناك إذن من خلال حدث تطوري على الطريقة الكلاسيكية، لكن الكاتب يشدك من خلال هاجس الخروج من جحيمه، هذا الهاجس لهو العنصر البنيوي الأساسي الرابط للنص من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة، المهيمن فيه، عليه، عليك!
لهول تجربة الكاتب (الرواية سيرة ذاتية)، هذه الرواية تحل محل التاريخ؛ مرحلة صدام (الكردية)، وتجعل منه وثيقة لا أساس لها من الصحة، كأي وثيقة مزورة في أجهزة المخابرات، يعجز فيها عن التحقق، لأن كل الهول في هذه الرواية، الهول وروائية الرواية واحد، إنه الشيء الوحيد الملموس، الباقي، والمتفجر في سعيه الدائب إلى ما وراء النص.
إنه التاريخ حيا، الواقع الاستثنائي المجروف بالانزياحات النفسية، الإيحاءات الطبيعية التي تطرق بعنف أبواب الفلسفة، التوجسات الإنسانية، الكونية، التي هي اختصار للكون، الإيمان أو عدمه، الوجود، ولا وجود أبدا في هذه الرواية لراحة الضمير أو طمأنينة النفس (آتاراكسي)، للامبالاة الإنسان (الكامل) الذي لا يخاف، ولا يرجو، ولا يأسف، ولا يندم، الإنسان هنا يولد غريبا، أعزل، وحيدا، دون أبوين، إن سقط وإن سما يظل (ناقصا)، يبقى إنسانا‍!
وعلى العكس، هناك لامبالاة القتلة الآتين من كل حدب وصوب، وتحجر قلوبهم بعد أن فقدوا إنسانيتهم، وصاروا طوع غرائزهم الحيوانية، القتلة من الأكراد على الخصوص، جشع رؤسائهم، عمالتهم، بيعهم لكل شيء، للعرض والأرض، لكل شيء، ولمن يريد، لكل أجهزة المخابرات التي في مقدمتها الموساد، ولكل من يدفع، أكثر أو أقل هذا لا يهم، المهم أن تدفع. ادفع أكن لك عبدا بل حذاء.
لامبالاة الكردي البسيط أيضا، الذي شوهه رؤساؤه، وصاغوه على صورهم، فقعد خانعا خاضعا، وصار أداة.
عندما استقبل الأكراد أطفالا ونساء ورجالا الجيش الأميركي برفع أعلامه وإلقاء الأرز على دباباته التي داست جسد العراق، كنت أستغرب، وكلي يرتعش غضبا، كيف أمكن أن يكون شعب بأكمله عميلا! الرواية تلقي الضوء على هذه الناحية الكارثية من تصرفات شعب عندما حللت أوضاعه عبر التاريخ، وكيف صارت هذه الناحية جزءا من بسيكولوجيته.
المعجم اللغوي عجيب، مليء بالتعارض الدلالي أو التبديل الوصفي أو انقلاب المعاني، معجم الفاجعة، ينهل حقل الدلالات منه، وبه جسد النص يتنفس. الاستعارة تتجاوز البطولة، الاستعارة منطوقة، مجبولة بالدم، غريبة، نوعية، جديدة، "تغرق في تأويلات المتاهة" ص 315.
كل النص يتحول في الأخير إلى استعارة للموت والهول والأمل المسفوح، استعارة حية على الرغم من سيمائية كل الموت، وخطاب ينتفض كعضلة مطعونة، كقلب مفتوح.
هذه الرواية لا يمكن قراءتها بسرعة كغيرها من الروايات، لأنها تقبض عليك من خناقك، وتشد. د. أفنان القاسم ـ باريس