تحت القبة.. برلمان!

بقلم: أسماء عايد

منذ الطفولة أحببت الريف المصري، وكلما ذهبت إليه؛ كنت أجلس بجوار الساقية وأتعجب من أن حدس الفلاح المصري قد وصل إلى الطريقة التي توحي للبقرة أنها تسير قـُدُمًا في خطٍ مستقيم، فتنسى – أو هو يرجو أن تنسى- أنها تدور فى نفس الدائرة طول الوقت، حين تأملت الطريقة، وجدت أن بها نوعا من الرحمة الخبيثة أو بها "نصف العمى"! ولكن قلت- في أعماقي- على أية حال هذه بقرة أي؛ حيوان لا يملك نعمة العقل التي ميزنا بها الله، ثم أننا- أي البشر- من أجبرها على هذا العمى النصفي.
لكن، من المؤسف بحق أن نُعمي أنفسنا بأنفسنا وبصورة كاملة لنتحول إلى كائنات متعصبة !
فالتعصب يُعمي رؤية الإنسان، والرؤية المقصود بها هنا ليس رؤية العين وإنما رؤية القلب التي تحجب عن الإنسان الحقائق، وتجعله أسيرًا لبعض المواقف المتعصبة التي لا يمكن له أن يحيد عنها، وأسيرًا لبعض المؤسسات والجهات التي تبدو كلها كأنها أزلية الوجود، مع أنها قد تكون ليست سوى تماثيل نحتها بمعرفته، هذه التماثيل سرعان ما يقدسها صانعها، ثم يفرض عبادتها على بقية الناس تحت مسميات مختلفة.

والتعصب يُستخدم سياسيا من قبل بعض الأحزاب أو الحكومات أو الأفراد الذين يسعون لشد العصب القومي أو الديني أو الطائفي من أجل الحفاظ على مصالح ومكتسبات شخصية وفردية حتى لو أدى ذلك لخراب البلد، فشبكة المصالح تقتضي في أحيان كثيرة؛ شد العصب لدى الجمهور، حتى لو استدعى ذلك استدعاء حوادث تاريخية واسقاطها على الحاضر، فالهدف يبرر الوسيلة كما يقولون! هذا تماما ما فعله سيادة النائب حسن نشأت القصاص حينما استدعى "انتفاضة الحرامية" التي حدثت في عهد السادات ليسقطها على المعارضة المصرية، وعلى وجه الخصوص نشطاء حركة شباب 6 إبريل، وأعضاء حركة كفاية، والجمعية الوطنية من أجل التغيير الذين نظموا عدداً من الوقفات الإحتجاجية خلال الأسابيع الأخيرة.
أفعال النائب لا تفسير لها إلا أنها انطلقت من موالاته للحزب الوطنى الحاكم ومعاداته لكل من ينتقد سياسات الحكومة، جاء ذلك فى اجتماع لجنتي الدفاع والأمن القومي وحقوق الإنسان بمجلس الشعب- تحت قبة البرلمان- إثر تحريضه لوزارة الداخلية ورجال الأمن إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وقال بالنص: "يا وزير الداخلية إحنا 80 مليون بناقص شلة فاسدة ومتجاوزة عايزين يرجعوا أيام إنتفاضة الحرامية"، وطالب وزير الداخلية بالضرب بيد من حديد على أيدى الخارجين عن القانون وقال "إضربوهم بالنار واستعملوا الرصاص مع المتظاهرين الخارجين عن القانون".
وقد أدانت منظمات حقوق الانسان تصريحات النائب البرلماني "القانوني جدًا" وفي المقدمة منظمة العفو الدولية ومما جاء في بيانها: "إن هذه التعليقات الشنيعة ليست سوى تحريض واضح على احتمال قتل المحتجين خارج نطاق القضاء". وطالبت المنظمة مجلس الشعب "بالمسائلة، لا بالتواطيء مع الوحشية".
لكن الجهات المصرية طالبت المنظمات العالمية بعدم التدخل في الشأن الداخلي!
طيب والحل؟ بموجب قانون العقوبات المصري تعد تصريحات سيادة النائب جريمة مكتملة الأركان (الركن المادي– الركن المعنوي– ركن العلانية)، فضلا عن جريمتي السب والقذف المنصوص عليهما بقانون العقوبات، لذا تقدمت قيادات المعارضة ببلاغ الى النائب العام لإتخاذ اجراءات رفع الحصانة النيابية عن كلا من حسن نشأت القصاص، وأحمد أبوعقرب عضوي مجلس الشعب، ثم تحريك الدعوى الجنائية ضدهما لارتكباهما جرائم التحرض على القتل وسب وقذف شباب المعارضة المصرية المطالبة بالإصلاح الديمقراطي والدستوري وإنهاء حالة الطوارئ وكفالة حق الترشح في الانتخابات الرئاسية دون قيود تعسفية اتساقاً مع التزامات مصر طبقاً للاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية، وقصر حق الترشح للرئاسة على فترتين.
وبمناسبة الفترات، فلا يفوتني- ونحن في فترة عيد سعيد- كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد تحرير سيناء الموافق 25 أبريل، وهو اليوم الذي استردت فيه مصر آخر شبر من أراضيها وهي مدينة طابا، بعد انسحاب آخر جندي إسرائيلي منها. وهو من الأيام التي تتعطل فيها الدوائر الرسمية والمصالح الحكوميه المصرية، ويعتبر يوم عطلة رسمية لكافة المواطنين المصريين.
ولكن، أين هي أغلبية المصريين الآن؟
شوف يا سيدي، الفهلوي! منهم حصل على قروض وهربها وهرب هو الآخر، والحدق! منهم نهب لكن لم يهرب بعد! طبعا لأنه طمعان في جرعات إضافية لتحسين حالته المادية المعدمة يا حرام! عموما خلي قلبك أبيض النقود المُهربة مش كتير دول مجرد 300 مليار دولار!
أما الشرفاء ونبلاء الوطن من المسئولين والسياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال فهم مَن يقفون بجوار بقية الشعب.
ومن هم البقية؟
البقية الباقية، بعضها هاجر وغرق الله يرحمه، وطبقا لإحصائيات مؤسسة الأهرام 4 ملايين مهاجر عاشوا و 820 ألفاً منهم من الكفاءات، و2500 عالم في تخصصات شديدة الأهمية! لكن وايه يعني؟ قلبك أبيض مصر ولادة.

وبعضهم ركب قطارات وعبارات الله يرحمه، و ‏20‏ مليون مواطن يعانون من الإكتئاب، و6 ملايين أمراض نفسية، و3 اّلاف شاب سنويا بينتحروا الله يغفر لهم ويرحمهم! نقص إيمان بعيد عنكم مع أن نسبة البطالة انخفضت إلى 29 % من القادرين على العمل، وكذلك 39% فقط من الشعب تحت خط الفقر (أقل من دولار في اليوم). لكن اطمئنوا مازلنا نحافظ على مركز الصدارة وأعلى نسبة في العالم في كل من: التلوث، الفشل كلوي.

وفي حوالي 6 آلاف قتيل سنويا بسبب حوادث الطرق (ما بالك بالمصابين)!
وبعضهم بجوار قبة البرلمان، على الأرصفة في جلسات ووقفات احتجاجية واعتصامات، للمطالبة بحقوقهم الاجتماعية والصحية والمالية.

أما تحت القبة فهناك نواب شرفاء نحترمهم، وهناك نواب كنائب الرصاص وهؤلاء ليسوا بنواب، وليسوا بأعضاء حزب، وإنما مجرد كائنات تجردت من إنسانيتها وأصبحت ملكية أكثر من الملوك أنفسهم، وتهمها كراسي الرئاسة أكثر من الرؤساء أنفسهم.

ومن أحلى ما سمعت في حياتي هو خطاب تنحي الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، رحمة الله عليه، عاش ومات قبل أن تسود "ثقافة الكرسي العربي" الذي ما إن يجلس عليه الحاكم أو النائب من هؤلاء إلا ويقسم بالله العلي العظيم ألا يتركه ما دام في العمر بقية، حتى وإن كانت هذه البقية فيمتون ثانية.

وقد طلبوا منّا أن نبايعهم فصدقنا وبايعناهم، أم هم فباعونا وبثمن بخس! أما الدراهم المعدودة فقد اشتروا بها أعدائنا لتوطيد العلاقات وإرسال برقيات التهنئة والذي منه.

قد يقول قائل إن التهنئة واجبة خاصة وإن الحرب بيننا وبين العدو قد انتهت منذ زمن بل وأصبحت بيننا اتفاقية سلام (أو استسلام على اعتبار أنها تنص على أن حرب 1973 هي آخر الحروب!)، ولهذا القائل نقول: إن دولة إسرائيل- التي أسستها الحركة الصهيونية وحلفائها في مختلف أنحاء العالم- تعلم جيدا أن معاهدة السلام تلك لم تنه الحرب ولذلك فهي تصر على التطبيع لتقنعنا أن الحرب انتهت فعلا.

ونقول: لم يعد يصلح تعريف الحرب على أنها نزاع مسلح يقوم على استخدام القوة المسلحة باستخدام مجموعات منظمة تسمى جيوش، فالحرب ليست فقط بالسلاح- وإن كان بناء على هذا التوصيف يمكننا وصف ما يتعرض له النشطاء السياسين بمصر حاليا على أنه حرب سلاح من قبل قوات الأمن وحجارة من قبل الشعب المصري الذي بات يعاني هو الاخر من احتلال داخلي وإذلال وسحق وجود ونهب ثروات ومحو ثقافة مثل نظيره الفلسطيني- ذلك أن الحياة كلها طولا وعرضا أشبه بالحرب خاصة في ظل ظروف غير آدمية فنحن نحارب من أجل حق الحياة الكريمة، قد تختلف توصيفات الحرب وتجلياتها باختلاف المكان والزمان والأدوات والدوافع.

كما يقول الأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة: "توجد معاهدة سلام، كما توجد جوائز للسلام، نوبل وغير نوبل، وأيضا يوجد مبعوث للسلام، ومفاوضات عن السلام، لكن الحديث عن ثقافة السلام، هو أمر آخر تماما!".


وفي النهاية، آمل أن يتم تحرير شعب مصر بأكمله، ذلك؛ وأن تحرير الكرامة الإنسانية أهم بكثير من تحرير قطعة أرض والإحتفال بها والغناء عليها أبد الدهر دون الإلتفات للحقوق الآدمية لهذا الشعب الطيب.
أسماء عايد
كاتبة مصرية مقيمة في ايطاليا dr-asmaa@hotmail.it