'تحت التنقيح' .. ترصد الاستلاب وتفكك منظومته في عهدين عراقيين

تتداخل العوالم في الرواية رغم قصرها

لم ينجُ العمل الروائي الجديد للكاتب حسين عبدالخضر من موقف ايدلوجي، ظهر جلياً في متنه، حتى وان تولى سارد عليم مهمة الإفصاح عن هذه المسلمات الفكرية، أو لنقل وظفه الروائي ليقولها ويعلنها تبنياً على لسانه مرة، ولسان من داروا في فضاء الرواية مرات عدة.

لكن حسين عبدالخضر في عمله هذا، نجح في تجاوز محنة التقريرية المفرطة التي ابتليت بها الرواية العراقية، والإغراق في الوصف الممل او تحويل المتن السردي الى حلبة استعراض فكري.

أقول نجح الكاتب في تجاوز ذلك عبر سرد اتسم بالرشاقة والاختزال، وحوارات مقتضبة، تؤدي وظيفتها التعبيرية كما هو مطلوب منها من غير إحالات كثيرة، يراد منها في بعض الاحيان ان تساهم في توسيع الصورة السردية فتؤدي الى تشتيتها برمتها.

يحيلنا عنوان العمل "تحت التنقيح"، الى ان ثمة مقولات غير مكتملة، وان ثمة تغيرات ستطرأ، بمعنى ان حالة من اللا نهائية هي من تحكم هذا العمل السردي، وبالفعل تطغى حالة من التحولات على مسيرة بطل العمل "وليد" الذي تولى هو بنفسه تشكيل العوالم المحيطة به، ولم يمنح الكاتب فرصة لآخرين ان يشكلوا عوالم روائية مجاورة، فبقينا نراهم على طول العمل من وجهة نظر واحدة.

تتداخل العوالم في الرواية رغم قصرها، اذ يجد البطل نفسه موزعاً بين عالمين متضادين، أو لنقل عالمين لا يشبهان بعضهما البعض، فننطلق معه في عالم لا مرئي (متخيل)، لكنه كان الفاعل المركزي في توجيه البطل وخياراته، حتى وان تراجع الكاتب لاحقاً ليخبرنا أن ثمة من سخر هذا العالم اللامرئي والقوى الخارقة، لتحقيق غرض ما، بمعنى ان بطل الرواية لم يك سوى مصادفة وضع في طريق الجان (شماس)، لينتهي به الامر صريعاً بعد تحولات وانكسارات.

لا أعرف لمٓ اختار الكاتب شخصية هذا العمل بكل هذا التردد والتسطيح الفكري والقلق الذي سيطرت عليه، وحالة التراجع الواضحة التي اتسم بها، دون نؤشر له حالة مواجهة مع واقع كان وجوده فيه مجرد مصادفة، ولم يكن أيضاً سوى محطة للوصول الى هدف نهائي تبين لاحقاً انه شاب بقي مجهولاً يدعى ضياء يحمل مخطوطة تروي حادثاً مذهبياً شائعاً لوالده، ادعى بطل الرواية وصاحب المخطوطة انها تحمل تصوراً مغايراً عن تلك الواقعة لكننا لم نعرف ذلك الى نهاية العمل.

العمل يحاول اثارة جدل عراق ما بعد الاحتلال، التحولات العميقة التي طالت البنى الاجتماعية والثقافية في عراق ما بعد الدكتاتورية، لكن الروائي يلتقط عبر توظيف شخصية "ابو غايب" كفاعل مؤسس لفعل، اشارة إدانة لبعض المواقف المعارضة لنظام البعث والذين كانوا مجرد "سحرة" يوظفون الشياطين في الوصول لغاياتهم. لكن أولئك "السحرة" الذين يختارون ابو غايب كرمز دال عليهم، يتحولون مع تبدلات ما بعد ٢٠٠٣ الى صناع فاعلين في المشهد الجديد.

لم تنته شخصية "وليد " المستلبة الا كما هو المتوقع، بمعنى ان العمل أراد أن يؤكد مقولة قارة في الواقع، تشير الى ان المستلبين في زمن الدكاتورية هم ذاتهم المستلبون ما بعدها، فالتغيير لم يطل عمق المشهد، لكنه حوّل الساحر، صائد النساء الى واجهة من جديد ليمارس عملية الاصطياد علانيةً دون مواربة.

تحفل الرواية في دلالات من الواقع، وتثير مفاهيم لا تزال اشكالية، كمقولات الاحتلال والمقاومة، العمالة للأميركان، القتل على الهوية، الحرب الأهلية وغيرها من مقولات عراق اليوم.

يشار الى ان حسين عبدالخضر من مواليد ١٩٧٣، في محافظة ذي قار، جنوب العراق، يعمل في القطاع النفطي، سبق ان أصدر عدة أعمال روائية منها، مواسم العطش، صباح يوم معتم، شتات الذاكرة، وغيرها من الأعمال الروائية.