تحالف المصير المشترك بين مصر والسعودية

فشلت كل التنبؤات وكل المراهنات على أن تلحق مصر بسوريا والعراق، أو على الأقل بالسودان. المصير المشترك بين مصر ودول الخليج العربية، جعل دول الخليج بقيادة السعودية ترمي بكل ثقلها لتحجيم المراهنات الخارجية سواء أكانت إقليمية أو عالمية وفك أسر مصر من المراهنات وتحريرها من الاستهداف.

لقد أدركت السعودية أن إيران والغرب يلعبان على وتر الحركات الإسلامية منذ زمن وخصوصا في زمن الثورات العربية، والانقسام المذهبي، والديني، والعرقي.

لكن مصر عبرت المرحلة بثلاثة مكونات أساسية، ساهمت في وقف لعب وعبث إيران والغرب في المنطقة وخصوصا في قلب العروبة القلب العربي الاستراتيجي. هذه المكونات هي جيش مصري موحد وفاعل الذي يسمى بالدولة العميقة وبالمؤسسة القوية والباقية التي تمكنت من إسقاط محمد مرسي بسبب أنه لم يتمكن من التفاعل والتقارب مع تلك المؤسسة، وثورة شعبية خرجت مناهضة لحكم جماعة الإخوان الإقصائية الذي قسم المجتمع المصري، ودعم إقليمي بقيادة السعودية.

استبق الملك عبدالله بن عبدالعزيز تنصيب الرئيس المشير السيسي رئيسا لمصر، بتوجيه رسالة حازمة وحاسمة لا لبس فيها كعادة الملك عبدالله للدول الإقليمية والعالمية وجماعة الإخوان المسلمين في آن واحد. بذلك وضع الملك عبدالله خارطة طريق واضحة لمواجهة الإرهاب في المرحلة المقبلة حتى أن البعض بدأ يلعب بالألفاظ بأن مصر تابعة للسعودية، ولكنهم لم يدركوا أو يفهموا أنه امتداد للدعم التاريخي حتى تتمكن مصر من استعادة الأمن والاستقرار.

والخطوة الأخرى المهمة هي ترقية الاقتصاد المصري الذي تأثر بالثورات خلال السنوات الثلاث التي مرت على مصر، على اثر تلك الرسالة استسلمت جميع الأطراف الرئيسية الخارجية، خصوصا الولايات المتحدة التي استجابت لرسالة الملك عبدالله وأعلنت فورا الاعتراف بالرئيس الجديد.

في أول حدث من نوعه تشهده مصر ولأول مرة منذ عقود شهدت مصر عند تنصيب المشير السيسي أكبر تجمع لممثلي دول العالم بالقاهرة للمشاركة في مراسم تنصيب السيسي رئيسا لمصر. وكان على رأس المشاركين ملوك ورؤساء وكان أمير الكويت في مقدمة الحضور وولي عهد السعودية نيابة عن خادم الحرمين الشريفين وولي عهد أبوظبي وملك البحرين، وحتى قطر الدولة التي كانت تقود المواجهة ضد مصر استجابت لدعوة الملك عبدالله وفضلت عدم التغريد خارج السرب، وشارك سفير قطر في الحفل، كما شاركت الجزائر والمغرب بوفدين كبيرين وهما من الدول العربية الكبيرة والمستقرة المساندة لمصر، مما أعطى من خلال تلك المشاركات وتلك الوفود شرعية قوية للنظام الجديد في مصر.

لم يجد التحالف الوطني لدعم الشرعية سوى الاجتماع في اسطنبول لمعارضة تنصيب السيسي، ولكن ركز السيسي في خطابه على التصالح لتضييق الفجوة بين الشعب المصري التي تسبب فيها الإخوان، ودعا إلى تطبيق العدالة الاجتماعية، والعيش المشترك ولكنه أستثنى من أجرم وارتكب الدم في حق الشعب المصري.

ويتأهب الرئيس المصري الجديد المنتخب لممارسة عمله، والإعلان عن أسماء مساعديه للشؤون المدنية والاقتصادية، والانتهاء من آخر استحقاقات خارطة المستقبل بإجراء الانتخابات البرلمانية خلال الشهرين المقبلين.

لم تتوقف السعودية على الدعم السياسي ومساندة مصر أمنيا، بل اتجهت إلى ترجمة مواقفها بالدعم الاقتصادي حتى تتمكن مصر من تأكيد مسيرتها المستقبلية وتفويت الفرصة على الأطراف المعادية لاستثمار نقاط الضعف التي تعاني منها مصر نتيجة انكماش الوضع الاقتصادي بعد ثلاث سنوات من الثورات في مصر.

هناك دعم مباشر من دولة الإمارات عن طريق تنفيذ مشاريع وبرامج تنموية مباشرة يلمسها الشعب المصري، ولن يتوقف هذا الدعم على دولة الإمارات بل هناك دعوة للملك عبدالله بإقامة مؤتمر اقتصادي لدول المانحين لمصر على غرار دول المانحين لدولة اليمن، وستكون دول الخليج خصوصا السعودية ودولة الإمارات والكويت أشقاء مصر على رأس الدول المانحة لمصر لإخراج مصر من النفق المظلم.

تريد السعودية استعادة محور عربي يمثل نواة عمل عربي لمواجهة التحديات التي تحيك بالمنطقة، والتي تصر على بث الفوضى الخلاقة، خصوصا بعدما سقطت فكرة الترويج لموجة ثالثة من الثورة العنيفة من أجل أن يستعيد الإخوان السلطة بدعم قطري وتركي.

وتصبح مصر تابعة لتركيا مثلما أصبح العراق وسوريا تابعين لإيران، لتفتيت المنطقة العربية حتى تتمزق ما بين المحورين الإيراني والتركي، وتصبح السعودية ودول الخليج تحت الحماية الأميركية الغربية، ومسخ الهوية العربية بالكامل من على الخارطة.

مصر عبرت وستمضي نحو صفحة أخرى في تاريخ المنطقة، واستعادت من خلالها هويتها التي كادت أن تفقدها، وعد يوم ترسيم المشير السيسي يوما فاصلا بين الفوضى والاستقرار، وعبور مصر إلى بر الدولة والاستقرار.