تحالف «مواطن ومخبر وحرامي»

القاهرة
داود عبد السيد يعطي تعليماته

صور فيلم "مواطن ومخبر وحرامي" من تأليف واخراج داود عبد السيد تحالف طبقات مختلفة تعتبر رموزا للفساد وتخريب المشروع التنويري للطبقة المتوسطة التي استكانت لاحلام الثراء السريع على حساب افقها الانساني المستنير متحولة الى خادم مطيع لسلطة تساهم في استلاب حرية المجتمع والمواطن.

وياتي الفيلم السابع للمخرج ضمن سياق تجربته مع افلامه السابقة، خصوصا فيلم "ارض الخوف"، المسكونة بهواجس المجتمع والتنوير في سبيل مجتمع اكثر عدالة وحرية عبر اعادة قراءة وتشكيل الواقع القائم بقصد فضحه تمهيدا لانارة الطريق نحو التشكيل الجديد الذي يحلم به.

ويركب عبد السيد عالم فيلمه الجديد باختيار رموز يعبر من خلالها عن افكاره بنماذج تمزج بين "المواطن" (خالد ابو النجا) و"المخبر" و"الحرامي" فيمثل اولهم الطبقة المتوسطة التي بدأت مستنيرة لكنها تنازلت عن مشروعها.

اما "المخبر" (صلاح عبد الله)، فهو رمز للسلطة بحيث ارتقى مواقعه ليشكل حاميا ومستفيدا وصانعا اساسيا لمسالة الفساد التي يدور حولها الفيلم، وذلك بنيله عضوية البرلمان.

ومن جهته، يشكل "الحرامي" (شعبان عبد الرحيم) المحب للغناء الهابط وقراءة الروايات البوليسية رمزا لثروة غير مشروعة كونها تدعم الاسس المادية لتحالف غير مقدس بين الثلاثي، وتجسد هذا الامر عبر تحوله الى قمة اجتماعية تحظى بالتقدير وقيادة الحياة الثقافية.

وقدم الخط الدرامي للفيلم هذه النماذج بنوع من السخرية السوداء رابطا تطور علاقاتهم خلال عشرين عاما حدد المخرج بدايتها عام 1980، اي قبل حادثة اغتيال الرئيس المصري الراحل انور السادات.

وعرض الفيلم مساء الاربعاء في حفل خاص تمهيدا لعرضه على الشاشات ضمن افلام عيد الفطر.

واستخدم المخرج صوت الراوي في تقديم الرواية والتعليق عليها دون اظهاره تعبيرا عن حياديته واعتبار احداث الفيلم واقعا موضوعيا بعيدا عن اجتهادات المؤلف المخرج واداة لتفسير ما يجري للمتلقي من اجل فهم فنتازيا الفيلم.

يعيش "المواطن" حياة الطبقة الوسطى، بالاتكال على ما ورثه، بصخب مع من حوله مستمتعا بالموسيقى والقراءة بلغات عدة، موظفا ثقافته بكتابة رواية ترمز الى صياغة مشروع تنويري كحصيلة لهذا التنوع.

ويحصل تعارف بين "المواطن" و"المخبر" اثر سرقة سيارة الاول، وتتوثق العلاقة بينهما لدى عثور ابن المخبر على وظيفة من تلقاء ذاته واعتقاد والده ان "المواطن" ساعد في ذلك، فيقوم بتأمين خادمة للاخير (الفنانة التونسية هند صبري) تصبح حلقة الوصل بين الثلاثي.

وتلعب الخادمة دور عشيقة "الحرامي" الذي يقضي عقوبة في السجن، لكنها تصبح عشيقة للمواطن الذي سرعان ما تتخلى عنه بعد ان قامت بسرقة الاموال وما كتبه من الرواية فور خروج الحرامي من سجنه.

وقد مهد ذلك للقاء ثلاثي ضمن اطار الصراع الذي يحاول المخبر السيطرة عليه باسترجاع المسروقات.

ويريد "المواطن" استرجاع مشروعه التنويري ويقوم "الحرامي" بدور الرقيب على الرواية ضمن منظور ديني واخلاقي ويتوسط "المخبر" بين الاثنين لخلق حالة من التراضي بينهما ضمن مشهد ساخر تتفكك فيها الثقافة ويتم تسطيحها من خلال النقد غير المترابط الذي يمارسه الحرامي بحق الرواية.

وتتطور الاحداث اثر اعتقال "المواطن" بسبب اقتلاعه عين "الحرامي" الذي احرق الرواية بعد انهائها، فتصالحا والتقيا على باب الخادمة مقدمة لتثبيت العلاقة بينهما فيجدد المواطن كتابة رواية اخرى ينشرها له الحرامي بعد اعرابه عن رضاه حيالها.

ويعني ذلك تنازل الطبقة المتوسطة عن مشروعها التنويري واخضاعه لطبقات مستحدثة تبحث عن ثقافة سطحية تساندها وتبرر ثروتها غير المشروعة في وقت تدعم فيه مثل هذه الثقافة.

وفي حين يصبح الحرامي الدينامو المحرك للثلاثي ويتزوج من عشيقة المواطن الثرية، يتحول المثقف الى صوفي متدين متزوجا من عشيقة الحرامي ويتبادل معه احيانا حنينا للماضي. اما المخبر فصار نائبا في البرلمان تتحلق حوله مجموعات كبيرة من النساء الجميلات.

ويغلق عبد السيد الافق امام جيل المستقبل من خلال زواج ابن الحرامي من ابنة المواطن رغم رفض الاخير الذي حاول ان يبحث عن مخرج اخر الا ان الولدين يحسمان الموقف باستمرار تحالف الفساد.