تجليات الميلودراما في الأداء الجسدي

الأداء الحركي والإيحائي والإشاري للجسد على خشبة المسرح يشكل لغة خاصة، تمثل دورا أساسيا في الرسالة التي يحملها العرض المسرحي فنيا وجماليا وموضوعيا.


الناقدة المسرحية تؤكد أن الأداء يعتبر نظامًا لغويًا يحافظ به الجسد على بقائه في النص والعرض


مفهوم الجسد الأدائي يرتبط بالمفهوم الفلسفي للجسد البشري الذي يرتبط بالهوية الثقافية


الأداء الجسدي في أعمال يوسف وهبي ومحمد تيمور وأنطون يزبك

يشكل الأداء الحركي والإيحائي والإشاري للجسد على خشبة المسرح لغة خاصة، تمثل دورا أساسيا في الرسالة التي يحملها العرض المسرحي فنيا وجماليا وموضوعيا، كما يمكن من خلاله تمييز رؤى المخرج والممثل والسينوغرافي، إنه نص بحد ذاته حتى وإن تم بناؤه على نص أدبي. بل إنه النص الأقرب إلى المتفرج لآخر بما يحمله من دلالات. هذا الأداء كان محور المداخلة البحثية التي شاركت بها الناقدة المسرحية د.أسماء بسام في المهرجان القومي للمسرح في دورته الثالثة بعنوان "الميلودراما بين التأسيس والريادة وتجلياتها في الأداء الجسدي.. دراسة سيميائية" حيث أكدت أن الأداء يعتبر نظامًا لغويًا يحافظ به الجسد على بقائه في النص والعرض.
وقالت إن مفهوم الجسد الأدائي يرتبط بالمفهوم الفلسفي للجسد البشري الذي يرتبط بالهوية الثقافية بوصفه منتجًا للمعنى الدرامي، والمسرح يعتمد خطابًا معرفيًا يجسد الأداء لغةً ينخرط مفهومها بشكل مباشر عبر قناة تواصلية تجمع بين المفهوم الثقافي والفلسفي لتصبح حركة الجسد مكونًا رئيسًا لنظريات الأداء الجسدي.

تيمور التزم بالأداء الجسدي الشعبي الساخر ليضعنا أمام ميلودراما تنتهي نهاية سعيدة دون تجريح الأجساد، ولا تحاول أن تفقد الجسد

وأضافت "نلمح الذات منغمسة في خضم التأسيس الديناميكي للنص الأدائي، وتُختزل حركة المعنى داخل الأداء؛ ليتحول المفهوم الأدائي إلى نظريات مختلفة، ونجد المعنى الإرشادى قد أنصت للذات الباحثة عن هويتها من خلال إيماءات حركية تندمج مع النص لتنتج نظريات آدائية تشكل جزءًا من تراثها المعرفي ومخزونها الثقافي. وترجع أهمية نظريات الأداء في محاولة ممارسة أشياء تريد الذات توصيلها إلى المتلقى عبر قناة تواصلية تزاوج بين الخبرة والمعرفة والإتقان الحركي وتنقش حفريات المعرفة التي تعلمتها وقامت بدراستها على جسد العمل الدرامي؛ لنبقى أمام سلسلة متواصلة من النظريات الأدائية.
واختارت بسام مسرحية "عبدالستار أفندي" لمحمد تيمور، ومسرحيات "بيومي أفندي، بنات الريف، أولاد الفقراء، غرام الأعمى" ليوسف وهبي، ومسرحية "الذبائح" لأنطون يزبك، للقيام بتشريح نظريات الأداء فيهم، وقالت "لاحظتُ أنَّ الأداء في الميلودراما متشعب ويعمل نظريات عديدة، وحاولت استنتاج نظريات الأداء التي قصدت إليها الميلودراما المصرية متبعة المنهج السيميائي لتحديد نظريات الأداء التي قصد إليها المؤلف تعبيرًا عن أيديولوجيته.
وأوضحت "نلمح نظرية الأداء المتوتر في "بيومي أفندي" يشير إلى الصمت وتبادل النظرات والقلق النابع من الخوف على الفضيحة التي طالما اجتهد "بيومي" ليوجهها للمتلقي، فهو يعرف خيانة زوجته ويعلم أن "نبيل" ليس ابنه إلا إنه يخشى الفضيحة، ويستطيع إخفاءها على المجتمع، لكنه لا يعرف إخفاءها على المتلقى بل على العكس يصدرها دائمًا للمتلقى ليعنى بها وقفة من وقفات المجتمع حول ابن الصدفة أو ابن الزنا، فهو يتجه نحو "الدادا" "متجهًا وفاركًا يديه.. يتبادل النظرات معها في صمت"، ليشير إلى توتر جسده الذى يفهم معنى الفضيحة، ويعرف خيانة زوجته له منذ زمن بعيد إلا أنه لا يستطيع البوح خوفًا من ظلم المجتمع لـ "نبيل". 
ولعل تبادل النظرات مع الصمت استكمالاً لتوتر الجسد؛ فالصمت والنظرة أبلغ من الكلام، ولغة الصمت هي اللغة الفاعلة التي يفهمها المتلقي منذ الوهلة الأولى، حيثُ يفسرها بمفهوم المسكوت عنه، الوقفات والسكتات التي تمثل "النقاط" .. هي في حد ذاتها إشارة إلى حديث قُطع لسبب ما، وهنا نكتشف أداء جسديا تلميحيا من "بيومي" باغتصاب شرفه ويشير إلى قمة الوجع الإنساني.
ورأت أن مسرحية "بنات الريف" تبحث الميلودراما عن شرف ضائع وتبدأ بالفلاح الذي يحرس منزل سيده الباشا في حين أن هذا الباشا لا يمتلك آلية حراسة شرف الفلاح، وننتقل إلى طبقية وصراع دائم ومتوتر بين بنات الريف والإقطاعيين: "عويس جالسًا في نهاية المسرح يمص في عود من القصب وساندًا ببندقيته إلى شجرة بجوار الساقية، بسطويسي يتمشى جالسًا في المسرح حاملاً بندقيته على كتفه". ولعل جلوس عويس في نهاية المسرح يشير إلى الارتباك الجسدي الذى لا يستطيع الوقوف وسط المسرح أو بدايته للحراسة فهو غير مهتم للأمر يتجرع عود القصب ويستند وبندقيته إلى شجرة بجوار الساقية للإشارة إلى الحياة التى يريدها سهلة بسيطة لا يحمل هم الحراسة ولا عبء الحياة، بخلاف بسطويسي الذي أقنع جسده أن يتمشى ويحمل البندقية على كتفه للإشارة إلى الجسد الذي يحمل هموم الميلودراما، والأداء الجسدي يشير إلى الحالة المزاجية الطبقية المضطربة المنشغلة بالآخر عن طريق الوقوف والاستمرارية في الفعل، أو عن طريق الجلوس والسلبية في رد الفعل.

وكشفت أن ميلودراما الأداء الجسدي المرتبك عند يوسف وهبي يتسم بالصعود والتوتر الزائد عن أنطون يزبك الذي اتسم بالتوتر السطحي المنقوش على الورق فقط، ويتخذ من جسد العمل الدرامي أيقونة رعب؛ ليجسد ميلودراما العنف المتوتر، فنجد "همام" في مسرحية "الذبائح" يقف كأنه مذعور. مجرد أن يسمع أن "حسن" يريد الزواج من أجنبية: "همام: كأن عقربا ضربته فيقف مذعورًا". ولعل أنطون يضعنا أمام قضية اجتماعية يجعل المتلقي ينفر منها نفور الأداء الجسدي منها، ويجسد نفس الجسد المتوتر عند يوسف وهبي، ولكنه أقل توترًا؛ فيجعل الجسد يتمنى الموت، ويجعله كأنه عقرب، وهو ليس بعقرب "همام: "يروح ويجئ" يا ريتني انتحرت أنا يا محمد ولا شفت"، وهنا يختلف أداء الجسد المتوتر عن أداء يوسف وهبي، ويعوضه بقوله: "يا ريتني انتحرت"، ويوظف الجسد في مجالات "السخط"، "الاضطراب"، "الجنون"، "العنف"، "القوة".
ومن نظرية الأداء المتوتر إلى نظرية الأداء العنيف ثم نظرية الأداء الساخر والأداء المهين والأداء العطوف والأداء الشعبي، تواصل بسام تحليلاتها للمسرحيات المختارة، وفي هذا الأخير لفتت بسام إلى اهتمام يوسف وهبي بتوظيف نظرية الأداء الشعبي؛ في مسرحيته "أولاد الفقراء"، حيثُ وظف المكان عبارة عن "شموع ضخمة مذهبة ومزركشة على قواعد نحاسية عالية"؛ ليشير إلى حفلة زار، كما اهتمّ محمد تيمور بتوظيفها في مسرحية "عبدالستار أفندي"، وجعل جسد "نفوسة" مُستعمرًا من قِبل الجن، وهو ما تحدده في قولها: "أنا واحدة علىَّ الأسياد". ولعل المكان يجسد واقعًا شعبيًا دراميًا عاشته مصر؛ حيثُ شهدت بعض الممارسات الشعبية التي اشتهرت بها وعرفت باسم الزار، وتتضح علاقة الزار بالدراما الشعبية عن طريق قيام هذه الممارسة بجميع العناصر التمثيلية، التي تستوعب الكلمات والحركات وتقترن بالأزياء والرموز وضروب الاستهواء على اختلافها.
وتابعت بسام أن يوسف وهبي جسد نظرية الأداء العطوف في ميلودراما "غرام الأعمى"، ليذرف المتلقي المزيد من الدموع بجانب الشفقة على الشخصية الميلودرامية "فؤاد: ضاغطًا على يدها". ويشير اسم الفاعل "ضاغطًا" إلى التعويض الجسدي الذي يبصر من خلاله، فهو يكمل نقص جسده بجسدها؛ ليمتزج الجسدان ويستكملا معا الحياة الطبيعية التي أقرتها الطبيعة، فهو لم يستمتع بحواسه إلا من خلال جسد زوجته التي ترشده وتشير إلى الطاقة المخزونة من الحواس المفقودة عنده. وعندما يشاهد "فؤاد" الأعمى جسد "أمينة" الممزوج بجسده فهو لا يرى تشويهًا لجمالها بل يشاهد جمالاً داخليًا واضحًا، والإشارة هنا إلى تناسق الأرواح داخل الأجساد "أمينة بذهول جمالي.. "بعد لحظة" مش بالدرجة دي يا فؤاد". ولعل ذهول أمينة له مردود أدائي لأنها تعرف أنها ليست جميلة، وفي نفس الوقت هي تعلم بجمالها النسبي، فترد "بعد لحظة" إشارة إلى عدم التفكير في العاهة بقدر نسبية الجمال التي تمتعت بها روحا.
ورأت أن الأداء العطوف يتخذ منحى آخر نلمسه عند أنطون يزبك في "الذبائح"، وهو عطف يشوبه قتل: "يدفع الباب على مهل فتدخل ليلى كأنها شبح في ثياب سود. ووجهها أبيض بياضًا خالصًا وتتجه إلى باب غرفة عثمان. فتقف. في ذلك الوقت يكون همام قد اختبر المسدس". "ليلى تنادي بصوت ضعيف. ولكن نداءها طبيعي كأنها تنتظر جوابًا". ولعل شبح ليلى هو شبح الحقيقة التي تواجه همام باستمرار، ودخولها على مهل يشير إلى قوة هيمنة هذا الشبح، والثوب الأسود يشير إلى ظل الشبح الذي يلازم هوية "ليلى" المشوشة المعدومة بعد موت حبيبها، ولكن يبقى بياض وجهها هو الإشارة الحقيقية لوجودها. أما صوت ليلى الضعيف فيشير إلى ضعف جسدها، وانتظارها الإجابة من جسد عثمان الميت يجعلنا أمام جدلية الموت، وهو محاولة التزام جسدها الحي الالتصاق بجسد حبيبها الميت، ومحاولة جمود جسدها جمود الموت.
وخلصت بسام إلى أن الأداء الجسدي اختلف بين كتاب الميلودراما؛ حيثُ التزم تيمور بالأداء الجسدي الشعبي الساخر ليضعنا أمام ميلودراما تنتهي نهاية سعيدة دون تجريح الأجساد، ولا تحاول أن تفقد الجسد، فأقصى طموحها أن تسجن الجسد الذي يبحث عن الشر، ولا تبكي الجمهور بقدر ما تضحكه، بعكس ما فعل وهبي ويزبك؛ حيثُ شرحا الأجساد بلغة مفعمة بالبكاء الميلودرامي الذي يشير إلى الشرف والفضيلة ليوجهها إلى المتلقي، وانقسم الأداء الميلودرامي إلى نظريات "توتر، منفعل، ساخر، مهيمن، شعبي، عطوف".