تجسيد الصحابة... من جديد

بقلم: جمال الهنداوي

اعتدنا السجال الاعلامي الذي يتزامن روتينيا مع بدء الحملة الاعلانية للعروض التي تشهدها الشاشة الرمضانية كل عام، واقرب الى التقليد السنوي المعتاد، اصبح ذلك الجدل والتأزم كجزء من حملة العلاقات العامة والترويج لنجمات ونجوم العروض الرئيسية.

الا اننا نلاحظ ان ساحة النقد الدرامي في السنوات الاخيرة اصبحت تشهد تزاحم رجال الدين والفقهاء والمؤسسات والهيئات والمرجعيات في سياق انقسام مربك وتراشق مسرف بالاحاديث والروايات، نص بنص، وحديث بحديث، ورأي برأي..

فبعد الجدل الكبير والاعتراضات الكثيرة والخلاف في وجهات النظر - حد الاتهام - الذي رافق عرض مسلسل "الحسن والحسين" في رمضان الماضي، يأتي الاعلان عن عرض مسلسل "عمر بن الخطاب" ليثير الكثير من اللغط والانقسام ما بين رجال العلم ما بين مجيز مستحسن ومانع حانق في نقاش محتدم مرشح للتمدد لفترة قد تتجاوز مدة عرضه المقررة على مدى ايام الشهر الفضيل.

وان كان هذا التدافع من غير المستغرب في مثل هذه الاعمال التي تتناول شخصيات تتحصل على الكثير من الثقل في الوجدان والتاريخ الاسلامي، وان كان السادة العلماء الاجلاء قد تعودوا على الجدال المتوازي بسبب خبرتهم المتعتقة في تطويع النصوص حسب الحاجة والمقتضيات من خلال طريق التوظيف الانتقائي - الاقرب الى الحيل الشرعية - للفتاوي والاحكام، ومع ان الخلاف على تجسيد الصحابة يعود الى ايام فلم "الرسالة" للمخرج السوري الراحل مصطفى العقاد في سبعينيات القرن الميلادي الماضي، الا ان الحجم والمكانة الكبيرة التي للخليفة الثاني (رض) وكونه من ضمن الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة ورمزيته العالية في نموذج الحكم العادل الرشيد اسهمت في اعادة الجدال حول موضوع تمثيل الصحابة في الاعمال الفنية وانطلاق الفتاوى شديدة التحريم حيال هذا المسلسل.

كرر مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف تحريمه المطلق لتمثيل وظهور الصحابة في مثل هذه الأعمال، وذهب الشيخ عبدالرحمن البراك ابعد من ذلك في فتواه التي قال فيها أنه: "يشترك في الإثم كل من له أثر في صناعة المسلسل وترويجه، من كاتب ومخرج وممثل ومموِّل وناشر، وأولى منهم بالإثم صاحب فكرة المسلسل، وهكذا من يقرّه وهو قادر على منعه". كما انضم مفتي عام السعودية الى المنادين برفض اجازة مسلسل الفاروق عمر بن الخطاب، واصفا أصحاب فكرة المسلسل ومَن شاركوا فيها ومَن تبنوها - بدبلوماسية قد يقتضيها المقام - بالمخطئين، محذرا اياهم من إنفاق أموالهم في الباطل، وطالبهم بتقوى الله. وقال "إن ما يقومون به من أعمال محرمة خطأ وجريمة"، وان هذه"الأفلام والمسلسلات عن هذه الشخصيات لا يرجى منها خير".

ونحن هنا، ودون ادنى محاولة للمقاربة الفقهية للموضوع، لا يمكننا الا ان نلاحظ ان هذه الفتاوى رغم العناوين المهمة التي اصدرتها لا يلتفت اليها عادةً الا من قبل التلفزيون الحكومي الذي يخضع لأسس ومعايير رقابية تحدد ما يمكن عرضه مما لا يمكن عرضه على شاشاته. وهذا قد يحيلنا الى الحجم الحقيقي للعناوين العريضة التي تتصدر هكذا اعمال عن موافقة ومطابقة النص الى الضوابط الشرعية والنصوص التاريخية، ومدى تدخل الشأن السياسي في طرح الموضوعة التاريخية وتحري مصداقية ووثوقية المادة المقدمة للجمهور المتلقي الواسع وسع الفضاء الذي تتداول من خلاله هذه الاعمال.

ما يثير الانتباه في هذه المعمعة هو في تجاهل الجهة المنتجة لجميع الفتاوى الدينية العديدة - رغم ان العديد من الرقاب قد ازيلت باقل منها - وضربها بعرض وطول حائط التوظيف السياسي للتاريخ والاستخفاف بالمراجع الدينية التقليدية مثل الازهر الشريف وهيئة كبار العلماء – نظرا للتمويل والانتاج السعودي للمشروع - والاعتماد على اجتهاد التسميات الملتبسة مثل من يصفون بكبار العلماء وهي التسمية التي يدخل تحت معطفها-او عباءتها- العديد من فقهاء الدفع المسبق وفى مقدمتهم الدكتور يوسف القرضاوي الذي سارع الى منح اجازته وبركته للعمل رغم ان فتواه بجواز تمثيل الصحابة وتستثني بوضوح الأنبياء، وأمهات المؤمنين، والخلفاء الراشدين، وثلاثة فقط من العشرة المبشرين بالجنة، هم أبوعبيدة عامر بن الجراح، وطلحة بن عبيدالله، والزبير بن العوام.

بل قد تكون اجازة القرضاوي بالذات، والمشاركة القطرية في التمويل، والميزانية غير المسبوقة التي رصدت للعمل، قد تثير الكثير من الهواجس عن شبهة النوايا السياسية التي تتخابأ خلف توقيت هذا العمل وطبيعته ومما قد يفسر ذلك الاصرار الاقرب الى التماوت على عرضه رغم جميع هذه الاعتراضات والفتاوى، واستخدام الغريب من الحيل الشرعية للتنصل من الالتزام بالفتاوى رغم مفصليتها الحاسمة في شرعنة وأجازة النصوص الدينية.

كما أن السلاسة التي تبدو على القائمين عن مثل هذا العمل، وتسويقهم لفكرة ان هناك "مصلحة عامة للمسلمين والعرب" في عرض المسلسل، قبل ان "تأتي إيران الصفوية وتعيد صياغة تاريخ الصحابة بالإساءة إليهم" والخفة التي يتعاملون بها مع مسألة تجسيد الصحابة على الشاشة رغم السوابق التاريخية الرافضة لهذه الممارسة مؤشرا على وجود اجندات سياسية قد تدفع الى عرض العمل رغم جميع الاعتراضات، لان هناك اكثر من سبب يدفع للاعتقاد بان الحمائية القوية التي يتحصل عليها القائمون على هذا العمل، متكئة على ضوء اخضر سياسي مفتوح من قبل اطراف قد تكون بحاجة لتقديم تصور وتفسير خاص للنص التاريخي ضمن سياق اسقاطات معينة تروج لمتبنيات واجندات سياسية لبعض الدول الموظفة والمسوقة للخلافات المذهبية ضمن المجتمعات الاسلامية، وهو ما يدفع الى اليقين بان المسلسل سيعرض، وسيتم عرضه على عدد كبير من القنوات خلال شهر رمضان المقبل، وسيغض النظر عن كل ما اصدره الازهر او ابن الشيخ وغيره الجهات الدينية الاخرى، وعما أشيع عبر الشبكات الاجتماعية حول وصول عدد المصوتين برفض عرضه الى مليون صوت، ولن يكون لهذا الجدل الذي يثار حوله اي تأثير.

جمال الهنداوي